الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٨٨
الى الشخص الواحد، فانّا اذا نظرنا في تحصيل مجهول رتّبنا له مقدمات نزعم انّها بديهية، فلما نظرنا في تلك المقدمات و حصل عقيب ذلك النّظر اعتقاد سمينا ذلك الأعتقاد علما، ثم ينكشف لنا بعده بطلان ذلك الأعتقاد و فساده مع ترتب ذلك الأعتقاد على المقدمات التي كانت بزعمنا بديهية، فعلم من هذا انّ حال غيرنا نافي الأستدلال مثل حالنا، و الغلط الذي يعرض لغيرنا فكيف يحصل لنا الجرم من تلك الحجج و البراهين اذا عرفت هذا كله.
فاعلم ان هيهنا بحث شريف حققناه في شرحنا على تهذيب الحديث و لا بأس بالإشارة هنا ايضا الى مجمله و حاصله انّ اكثر الأصحاب قد تبعوا جماعة من مخالفينا من أهل الرّأي و القياس و من أهل علم الطّبيعة و الفلاسفة و غيرهم من الذين اعتمدوا على العقول و استدلالاتها و طرحوا ما جاءت به الأنبياء عليهم السّلام حيث لم يأت على وفق عقولهم، حتى انّه نقل ان عيسى ٧ لمّا دعى افلاطون الى التصديق بما جاء به أجاب بأنّ عيسى رسول الى ضعفاء العقول و امّا انا و امثالي فلسنا نحتاج في المعرفة الى ارسال الأنبياء و الحاصل انّهم ما اعتمدوا في شيء من امورهم الا على العقل فتابعهم بعض اصحابنا و ان لم يعترفوا بالمتابعة، فقالوا انّه اذا تعارض الدليل العقلي و النقلي طرحنا النقلي او تأولناه الى ما يرجع الى العقل، و من هنا تراهم في مسائل الأصول يذهبون الى اشياء كثيرة قد قامت الدّلائل النّقلية على خلافها لوجود ما تخيّلوا انّه دليل عقلي كقولهم بنفسي الإحباط في العمل تعويلا على ما ذكروه في محله من مقدمات لا تفيد ظنّا فضلا عن العلم، و سنذكرها ان شاء اللّه تعالى في انوار القيامة مع وجود الدلائل من الكتاب و السنّة على انّ الأحباط الذي هو الموازنة بين الأعمال و اسقاط المتقابلين و ابقاء الرجحان حق لا شك فيه و لا ريب يعتريه، و مثل قولهم ان النبي ٦ لم يحصل له الأسهاء من اللّه تعالى في صلاة قط تعويلا على ما قالوه من انّه لو جاز منه السهو في الصلاة لجاز عليه في الأحكام مع وجود الدلائل الكثيرة من الأحاديث الصحاح و الحسان و الموثقات و الضعفاء و المجاهيل على حصول مثل هذا الأسهاء، و علل في تلك الروايات بأنّه رحمة للأمة لئلا يعبر الناس بعضهم بعضا بالسّهو، و سنحقق هذه المسئلة في نور من هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى الى غير ذلك من مسائل الأصول.
و اما مسائل الفروع فمدارهم على طرح الدّلائل النقلية و القول بما أدّت اليه الأستحسانات العقلية، و اذا علموا بالدلائل النّقلية يذكرون اولا الدلائل العقلية ثم يجعلون دليل النّقل مؤيدا لها و عاضدا ايّاها، فيكون المدار و الأصل انّما هو العقل و هذا منظور فيه لأنّا نسألهم عن معنى الدّليل الذي جعلوه أصلا في الأصولين و في الفروع فنقول ان اردتم به ما كان مقبولا عند عامة العقول فلا يثبت و لا يبقى لكم دليل عقلي، و ذلك كما تحققت من ان العقول مختلفة في