الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٧٧
و اما الحيات فهم اخوانك الذي قال فيهم امير المؤمنين انّهم جواسيس العيوب و من الحيّات ايضا شياطين الجنّ و الأنس الذين صرفوا لياليهم و أيّامهم في الفكر لإرادة مخادعك و اضلالك و القائك الى حيات جهنم و أفاعيها التي ورد في الخبر لو انّ حيّة منها ظهرت الى الدنيا و نفخت فيها لما بقي فيها شجر و لا مدر و لا جبل الّا ذاب من سمّها.
و امّا السّباع فهي مصائب الدّنيا و دواهيها الحادثة يوما بعد يوم و ساعة بعد ساعة و نفسا بعد نفس كالهموم و الأحزان و الأمراض و فقد الأحبة الذي جعله امير المؤمنين ٧ عديلا ليوم القيامة فقال لو لا هول المطلع و فراق الأحبة لأردنا الموت، و أهول من هذا كلّه تذكرت الموت و سأبعده من الأهوال فانّي لا أظن احدا كان في لذة و ذكر الموت ثم تمت له اللّذة.
حكى صاحب نزهة الأبرار انّ الرشيد زخرف مجلسه يوما و بالغ فيه و صنع طعاما كثيرا ثم وجّه الى ابي العتاهية فأتاه فقال له صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدّنيا فأنشأ يقول:
|
عش ما بدا لك سالما |
في ظل شاهقة القصور |
|
فقال احسنت فقال:
|
فاذا النفوس تقعقعت[١] |
في ضيق حشرجة الصّدور |
|
|
فهناك تعلم موقنا |
ما كنت الا في غرور |
|
فبكى هارون الرشيد، فقال الفضل بن يحيى بعث اليك امير المؤمنين لتسرّه فأحزنته، فقال هارون الرشيد دعه فانّه رآنا في عمى فكره ان يزيدنا عمى، و لذا قال ٦ اكثروا ذكر هادم اللّذات، و حكي ان الحجاج كان عنده جاريتان جميلتان و كان معجبا بهما مولعا بعشقهما، فقال ان الناس يقولون ما تمّ فرح لأحد الى اللّيل و ها أنا ذا أجلس بمجلس الطرب الى اللّيل، فلمّا كان الغد هيأ في مجلسه أحسن ما يكون و تخلّى عن الناس بخواصه و تلك الجواري، فلمّا مضى بعض النهار أمر بالشراب فشرب هو و من كان في ذلك المجلس و شربت جارية من تلك الجواري فاختنقت بالشراب و ماتت من ساعتها فبكى عليها بكاء كثيرا و مضى عامة ذلك اليوم بالحزن، فكان يوم سروره يوم عزاه و مصيبته، اذا عرفت هذا كله.
فاعلم انّ اللذات الواقعة في هذه الدّنيا ثلاث: الأولى اللّذة الحسية و هي قضاء الشهوتين: البطن و الفرج و توابعهما، و هذه اللّذة أدون اللّذات الثلاث و أحقرها، الثانية اللّذة الخيالية و هي الحاصلة من الأستعلاء و الرئاسة و نحوهما، الثالثة اللّذة العقلية و هي الحاصلة بسبب معرفة الأشياء و الوقوف على حقائقها و وجه الحصر ان الأنسان أوّل ما يحسن و يشعر باللّذة الأولى
[١] تقعقع اضطرب و تحرك. صوت عند التحرك.