الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٦٨
و منها قول الصادق ٧ انّ في كتاب علي ٧ انّما مثل الدنيا كمثل الحيّة ما ألين مسّها و في جوفها السّم الناقع، يحذرها العاقل و يهوى اليها الصبي الجاهل و هذا المثل كالأول و ذلك انّ الصّبي انّما ينظر الى ظاهرها و في ظاهرها من النقوش و الخطوط فيهوى اليها الصبي بل الحيّة خير من الدنيا و ذلك انّها و ان كان في جوفها السم الناقع الضّار لكن يخرج منها خرزة سوداء مدورة تنفع للسع الحيّات، و ذلك انّها توضع على موضع اللدغة فتجذب السم و تقلعه من البدن، فهي نافعة من هذه الجهة مع انّها انّما تضرّ من آذاها.
حكى لي ثقة من أصدقائي انّه كان عندهم حية في البيت فكان عندها فراخ، قال فأردنا أن ننظر اليها يوما، فلمّا خرجت بادرنا الى فراخها فوضعناها تحت قدر و خرجنا من البيت، فلمّا أتت الى فراها فلم ترها عمدت الى البيت و جالته على الفراخ فلم تجدها، فلمّا أيست منها أتت الى لبن في البيت فدخلت فيه و شربت منه و قاءته حتى صار أصفر من السّم، و خرجت من البيت فعمدنا الى فراخها و وضعناها في موضعها فأتت مرة اخرى، فلمّا رأتها أتت الى ذلك اللبن و دخلت فيه و خرجت عنه فوضعت نفسها على التراب و دخلت على اللبن و هكذا حتى صار ذلك اللبن مثل لون التراب و مضت عنه حتى لا نشربه، و اما الدنيا فإنها تلسع كل احد و منها قوله ٧ الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله و منها قوله ٧ الدنيا كمثل البيت قد انخفض سقفه فكل من دخل اليه لا بد و ان يطأطأ رأسه و متى رفعه شجه السقف و الداخل الى الدنيا حاله هكذا بل هو اسوأ حالا.
و منها ما نقله الصدوق طاب ثراه عن بعض الحكماء في تشبيه اغترار الأنسان بالدنيا و غفلته عن الموت و الأهوال و انهماكه في لذات الدنيا الممزوجة بالكدورات بشخص مدل في بئر مشدود وسطه بحبل و في اسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجه اليه منتظر سقوطه فاتح فاه لألتقاطه، و في أعلى ذلك البئر جرذان أبيض و أسود لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا و لا يفتران على قرضه انا من الأناة، و ذلك الشخص مع انه يشاهد ذلك الثعبان و يرى انقراض الحبل انا فأنا قد أقبل على قليل عسى القد لطّخ به جدار ذلك البئر و امتزج بترابه و اجتمع عليه زنابير كثيرة و هو مشغول بلطعه منهمك في ملتذ بما أصاب منه لتلك الزنابير عليه قد صرف باله غير ملتفت الى ما فوقه و ما تحته فالبئر هو الدنيا و الحبل هو العمر و الثعبان الفاتح فاه هو الموت و الجرذان الليل و النهار القارضان للأعمار، و العسل المختلط بالتراب هو لذات الدنيا الممزوجة بالكدورات و الآلام و الزنابير هم ابناء الدنيا المتزاحمون عليها و هذا المثل كالأمثال السابقة في الأنطباق على الممثل له.