الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٦٧
فقلت اترك هذه الأمور كلّها و امضي الى صلاة الجمعة، فمضيت و صليت فلمّا انصرفت و مررت بالزرع فاذا هو قد سقي، فقلت من سقاه؟ فقيل انّ جارك أراد ان يسقي زرعه فغلبته عيناه و انتبق السّكر فدخل الماء زرعك، فلمّا وافيت باب الدار اذا انا بالحمار على المعلف، فقلت من ردّ هذه الحمار؟ فقالوا صال عليه الذئب فالتجأ الى البيت، فلمّا دخلت الدّار اذا أنا بالدقيق موضوع هناك، فقلت كيف سبب هذا؟ فقالوا انّ الطحّان طحن هذا بالغلط فلمّا علم انّه لك ردّه الى منزلك، فقلت ما أصدق ما قيل من كان للّه كان اللّه له، و من أصلح للّه أمرا أصلح اللّه أموره.
و ينبغي للعاقل ان يتفكّر في الأمثال التي ضربها عليهم السّلام للدّنيا، منها ما رواه الصّدوق (ره) باسناده الى الحرث الأعور قال بينا أنا أسير مع أمير المؤمنين ٧ يا حارث الحيرة اذ نحن بدير انّي يضرب النّاقوس، قال فقال علي بن ابي طالب يا حارث أ تدري ما يقول هذا الناقوس؟ قلت اللّه و رسوله و ابن عم رسوله أعلم، قال انّه يضرب مثل الدنيا و خرابها و يقول: لا اله الا اللّه حقّا حقّا صدقا صدقا، انّ الدّنيا قد غرّتنا و شغلتنا و استهوتنا و استغوتنا، يا ابن الدنيا مهلا مهلا، يا ابن الدنيا دقا دقا، يا ابن الدنيا جمعا جمعا تفنى الدنيا قرنا قرنا، ما من يوم يمضي عنّا الّا أوهى منّا ركنا قد ضيّعنا دارا تبقى و استوطنا دارا تفنى لسنا ندري ما فرّطنا الا لو قدمنا، قال الحرث يا أمير المؤمنين النّصارى يعلمون ذلك؟ قال لو علموا ذلك لما اتّخذوا المسيح إلها من دون اللّه.
قال فذهبت الى الدّير فقلت له بحق المسيح لمّا ضربت بالنّاقوس على الجهة التي تضربها، قال فأخذ يضرب و أنا أقول حرفا حرفا حتّى اذا بلغ الى موضع قوله الا لو قدمنا فقال بحق نبيكم من أخبركم بهذا؟ فقلت الرجل الذي كان معنا امس، قال و هل بينه و بين النبي من قرابة، قلت هو ابن عمه، قال بحق نبيكم اسمع هذا من نبيكم قال قلت نعم، فأسلم ثمّ قال لي و اللّه انّي وجد في التوراة انّه يكون في آخر الأنبياء نبي و هو يفسر ما يقول الناقوس.
و منها قول الباقر ٧ مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ كلمّا ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما، فانظر الى حسن هذا المثال بل حال الأنسان أسوء من حال دودة القز و ذلك انّ دودة القز ان ماتت غما في الذي نسجته على نفسها لكنها لا تموت بالكليّة و لهذا اذا بقيت في القزّ مدة مديدة تحرّكت في بطن القزة و قرضت و خرجت منها بصورة طائر حسن الصورة و ما ذلك الّا لأنّها جهدت في خراب ما نسجت و لا تموت في بطن القزة الّا اذا وضعت القزة في الشمس الحارة، و اما الأنسان اذا نسج على نفسه بمتاع غرور الدّنيا تعذر عليه الخروج فيبقى في المجلس الضّيق الى ان تأتيه شمس القيامة فتحرقه.