الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٦
افعاله المتعلقة بالدين فكقولك قليل الأدب، متهاون بالناس كثير الأكل اذا دخل المجلس يجلس في غير موضعه، و اما في ثوبه فكقولك انه واسع الكم، طويل الذيل وسخ الثياب و نحو ذلك، و هذا لا يكون مقصورا على اللسان بل يجري في الكناية و الأشارة و الغمز و الرموز، و من ذلك ما روي عن عائشة انها قالت دخلت علينا امرأة، فلما ولّت اومأت بيدي أي قصيرة، فقال ٦ إغتبتها، و من ذلك تقليد الأعرج في مشيته، او كما يمشي الغير بل هو اشد من الغيبة، لأنّه أعظم في التصوير و التفهيم، و كذلك الغيبة بالكتاب فان الكتاب كما قيل أحد اللسانين، و من ذلك كما قاله الشهيد الثاني طاب ثراه ذكر المصنف شخصا معينا و تهجين كلامه في الكتاب الا ان يقترن به شيء من الأعذار المحوجة الى ذكره كمسائل الأجتهاد التي لا يتم الغرض من الفتوى و اقامة الدّليل على المطلوب الّا بتزييف كلام الغير و نحو ذلك، و يجب الأقتصار على ما يندفع به الحاجة.
و قد بقي افراد خفية من الغيبة، الفرد الأول ممّا يستعمله أهل العلم و المعرفة المرائين، فأنّهم يفهمون المقصود على صنعة أهل الصلاح و يظهرون التعفف عن الغيبة و لا يدرون، لجهلهم انهم جمعوا بين الرياء و الغيبة، و ذلك مثل ان يذكر عنده إنسان فيقول الحمد للّه الذي لم يبتلينا بحب الرّئاسة او بحب الدنيا، و يقول نعوذ باللّه من قلة الحياء او من سوء التوفيق، او نسأل اللّه ان يعصمنا من كذا، بل مجرد الحمد على شيء اذا علم اتصاف المحدث عنه بما نافيه و نحو ذلك، فانه يغتابه بلفظ الدّعاء و سمة أهل الصلاح، و انّما قصد ان يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة و الرياء و دعوى الخلاص من الزذائل و هو عنوان الوقوع فيها.
الثاني ان يقدم من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات و لكن قد اعتراه فتر و ابتلي بما نبلي به كلّنا و هو قلّة الصبر، فيذكر نفسه بالذّم و مقصوده ان يذّم غيره و ان يمدح نفسه بالتّشبّه بالصالحين في ذم أنفسهم، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه، فيجمع بين ثلاث فواحش و هو ان يظن لجهله انّه من الصالحين المتعففين عن الغيبة، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل اذا أشتغلوا بالعلم او العمل من غير ان يتفطّنوا الطريق، الثالث ان يذكر ذاكر عيب الأنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان اللّه ما أعجب هذا حتى يصغي الغافل الى المغتاب و يعلم ما يقوله فيذكر اللّه، و يستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه و باطله و هو يمنّ على اللّه بذكره جهلا و غرورا.
الرابع ان يقول جرى لصاحبنا او صديقنا كذا تاب اللّه علينا و عليه، يظهر الدعاء له و التألم و الصداقة و الصحبة و اللّه مطّلع على خبث سريرته، و هو لا يدري انّه قد تعرض لمقت أعظم ممّا يتعرض له الجهّال اذا جاهروا بالغيبة، الخامس الأصغاء الى الغيبة على سبيل التعجب