الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٥٤
فقد جهلت فضل اللّه لديك و كفرت نعمته عليك اذ خلقك عبدا لنفسه حرا من الكل فاستعبدك الكلّ و لم تشتغل بعبودية الحق بحال انتهى و ما أحسن قول رابعة العدوية:
|
لك ألف معبود مطاع أمره |
دون الأله و تدّعى التوحيدا |
|
و من افراد الشرك قول الناس فيما تعارف بينهم لو لا فلان هذه السّنة او هذا الشّهر لمت انا و أولادي او لم أعش الى هذا الوقت و نحو ذلك ممّا يؤدي معناه، و ذلك انّ هذا قول من غفل عن اللّه سبحانه و عن كونه هو الرّزاق و انّه هو الذي سخّر ذلك الرجل و هيأ له الأسباب التي يتوصل بها الى احسانك فهو ليس الا كالالة في ايصال ذلك النفع اليك، فان اللّه تعالى لو لم يعطه مالا و لم يجعل في قلبه الشّفقة عليك و لم يأمره بصلة أمثالك لما رأيت منه شيئا من الإحسان و كذلك اذا لم يتكلّم بهذا الكلام لكنّه كان من عقيدته و ممّا ارتكز في خياله فانّه ايضا من الشّرك الأخفى لأنّ هذا الأعتقاد الفاسد منه ليس الّا كإعتقاد من عظم الأوثان و خضع لها لأنها الّتي وصل النّفع اليه و تدفع الضرر عنه.
و بالجملة فأنواع الشرك و أفراده أكثر من ان تحصى و قوله سبحانه وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً متناول لأنواع الشرك و افراده، فان قلت اذا كان كلّ ما ذكرت من الشرك لمنهي عنه لا ينفعك أحد منّا، ان التلبس بفرد من افراده اذا اعطيناه الأنصاف مع قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* فكيف حالنا عند الورود على اللّه و كيف نرجوا منه المغفرة مع ما أسمعنا من هذا الكلام و قطع آمالنا منه.
قلت و ان كان الحال على ما ذكرت من عدم الخلوّ من أحد أفراده لكن اللّه سبحانه قد جرت عادته الرّبانية بتوفيق المؤمن للتوبة من ذلك الذنب و النّدامة عليه و معرفته و لو بعد حين بأنّ المنعم الحقيقي ليس الا هو تعالى شأنه، و من ألطافه به عدم توفيق الناس في غالب الأوقات لقضاء حوائجه حتى يرجع الى اللّه عند الأياس منهم و يلجأ اليه و يندم على ما أشرك به في جنب اللّه و يعرف انّه ليس الملجأ الّا اليه كما قال مولانا الأمام زين العابدين ٧ يا كهفي حين تعييني المذاهب يعني به التّرددات الى الخلق و الذّهاب اليهم فإذا أعيت عليه الحيل و لم ينتفع بتلك التّرددات إعترف بهذا المعنى.
و في الحديث ان اللّه سبحانه يرمي عبده المؤمن بالنّعاس اذا أراد القيام للصلاة فيصبح و هو ماقت لنفسه زار عليها و هو من ألطاف اللّه سبحانه لئلا يعجب بعمله، و حينئذ فالنوم خير له من العبادة فهو سبحانه الّذي أنامه عن صلاة الليل لئلّا يعجب بأعماله و هو الذي لم يوفّق الناس للإحسان اليه حتى يكون مأيوسا منهم فيرجع الى اللّه و يطلب ما طلب منه تعالى و يندم على الأقبال الّذي صدر منه على الناس فانظر هنا كيف صار منع الألطاف الطافا.