الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٥٣
و ما من شيء الّا و انت تشبهه من وجه لكنّ الغالب عليك اربعة اوصاف: الملكية و السبعية و البهيميّة و الشّيطانية فمن حيث الملكي تتعاطى أفعال الملائكة من عبادة اللّه سبحانه و تعالى و طاعته و التّفرب اليه و من حيث الغضب (السبعيّة خ) تتعاطى أفعال السبّاع من العداوة و البغضاء و الهجوم على النّاس بالضّرب و الشّتم، و من حيث الشّهوة تتعاطى أفعال البهائم من الشّره و الشبق و الحرص و من حيث الشّيطانية تتعاطى افعال الشّياطين فتستنبط وجوه الشّر و تتوصل الى الأغراض بالمكر و الحيل فكان المجتمع في اهابك ايّها الأنسان ملك و كلب و خنزير و شيطان فالملك هو العبادة و الكلب هو الغضب و الخنزير هو الشهوة و الشيطان هو المكر و الحيل، فان اشتغلت بجهاد هذه الثلاثة بالبصيرة النّافذة و كسرت شرّه هذه الخنزير بتسلّط الكلب عليه اذ بالغضب تنكسر سورة الشهوة و اذللت الكلب بتسليط الخنزير و جعلت الكل في مملكة العدل مقهورين تحت السياسة اعتدل الأمر و ظهر العدل في مملكة البدن و جرى الكل على الصراط المستقيم، و ان لم تجاهدهم قهروك و استخدموك فلا تزال في استنباط الحيل و تدقيق الفكر في تحصيل مطلوبات الخنزير و مرادات الكلب فتكون دائما في عبادة كلب و خنزير.
و هذا حال أكثر النّاس الذين همّتهم مصروفة الى البطن و الفرج و مناقشة الخلق و معاداتهم و العجب منك انّك تنكر على عبّاد الأصنام عبادتهم لها و لو كشف الغطا عنك و كوشفت بحقيقة حالك و مثّل لك ما يمثل للمكاشفين امّا في النوم او في اليقظة لرأيت نفسك قائما بين يدي خنزير مشمرا ذيلك في خدمتك ساجدا له مرة و راكعا له أخرى منتظرا لإشارته و أمره فمهما طلب الخنزير شيئا من شهواته توجهت على الفور الى تحصيل مطلوبه و احضار مشتهياته و لأبصرت نفسك جائيا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا لما يلتمسه مدققا للفكر في الحيل الموصلة الى طاعته و انت بذلك ساع فيما يرضى الشيطان و يسره فانّه هو الذي يهيّج الكلب و الخنزير و يبعثهما على استخدامك، فأنت من هذا الوجه عابد للّشيطان و جنوده و مندرج في المخاطبين المعاتبين يوم القيامة بقوله أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
فليراقب كل عبد حركاته و سكناته و سكوته و نطقه و قيامه و قعوده لئلا يكون ساعيا طول عمره في عبادة هؤلاء، فهذا غاية الظّلم حيث صيّر المالك مملوكا و السيّد عبدا و الرئيس مرؤسا، اذا العقل هو المستحق للسّيادة و الرئاسة و الأستيلاء و هو قد سخّره لخدمة هؤلاء و سلّطهم عليه و حكمهم فيه، قال بعض المفسرين عند قوله تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قد سخّر لك الكون و ما فيه لئلا يسخر منك شيء و تكون مسخّرا لمن سخّر لك الكل فان جعلت نفسك مسخّرة لما في الكون في الكون اسيرة للذّات الفانية