الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٤٨
ادخلوا الأصنام البيوت فلم يزالوا يعبدون اللّه عز و جل حتّى هلك القرن و نشأ أولادهم، فأتى الشيطان اليهم و قال لهم انّ آباءكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها من دون اللّه عزّ و جلّ فذلك قول اللّه تبارك و تعالى وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً الآية.
و امّا عبادة النيران فقال الصادق ٧: انّ قابيل لمّا رأى النّار قد قبلت قربان هابيل قال له ابليس: انّ هابيل كان يعبد النار، فقال قابيل: لا أعبد النّار التي عبدها هابيل و لكن اعبد نارا أخرى و أقرّب قربانا لها فتقبل قرباني، فبنى بيت النار فقرّب لها القربان و لم يكن له علم بربه عزّ و جلّ و لم يرث منه ولده الّا عبادة النيران و امّا الشمس و القمر ففي الرّوايات انّه يؤتى بهما في عرصات القيامة كثورين عقورين فيأمر اللّه بهما حتّى يرميا في النّار لمكان عبادة النّاس لهما.
و اما الشرك الخفي فقد تقدم في الريا تحقيقه و انّ من جملة افراده الرّيا، و ذلك انّك شرّكت غير اللّه معه في عبادتك فهذا هو معنى الشرك بعينه بل هو اخس منه، و ذلك أنّ أهل عبادة الأصنام قد عبدوا أمورا موجودة و أعيانا حاضرة أمامهم، و امّا انت في حال الريا فقد عبدت امورا موهومة تخيلتها في قوتك الوهمية، و هو انّي اذا أطلت الصلاة في حضور فلان فربّما اثنى عليّ و ربّما اوصلني احسانه، و في غالب الأوقات انّه لا يحصل له ما تخيّله فلا يبقى له سوى تعب القوة المتخيّلة و القوة الوهمية فاذن اهل عبادة الأصنام أعلم منك و أفهم، و ايضا فأن أهل الأصنام قد أتوا الى ملّة و دين وجدوا عليها آباءهم قد استحسنوها و زيّن لهم الشيطان أعمالهم حتّى انّهم كانوا يعجبون من خلاف الأشراك كما سمعت في قوله تعالى أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ فهم يتعجبون منّا كيف نعبد الها واحدا و نترك الألهة المتعددة.
و بالجملة فهم يعبدون ما ثبت عندهم استحقاقه للعبادة أخذا من أسلافهم، و اما أنت ايّها المرائي فقد نشوت على فطرة التوحيد و سمعت من آبائك انّه لا يجوز ان يشرك مع اللّه غيره في العبادة و فهمت هذا المعنى و اعتقدت حرمته و مع هذا أقبلت عليه بكلّلك و صرفت اليه مجامع لبك، فأهل عبادة الأصنام جهّال و أنت أجهل منهم، حيث انهم عبدوا ما استحسنوا و انت عبدت ما أستقبحته و ايضا فإنّ أهل الأصنام انّما عبد كل جماعة منهم صنما واحدا، كما روى انّه كان في أعصار الجاهلية لكل قبيلة صنم يعبدونه و قد كان معلّقة في الكعبة مثل ودّ و سواع و يغوث و يعوق و نسر، فهم يحبون ذلك الصنم و يعظّمونه و لا يعظمون صنما غيره، حتى انه نقل من محبتهم لها الأعاجيب الغريبة و الحكايات العجيبة، كما روي ان أهل الهند اتّخذوا بيت صنم و وضعوا في سقفه و فرشه و جدرانه الأربعة حجر المغناطيس، و وضعوا فيما بينهن صنما من حديد، فبقي معلقا بينهنّ لتجاذبهنّ له و كثر في أهل الهند محبّوه و عاشقوه، و كان يفتح لهم بابه في كل سنة مرة فيزدحمون اليه و يطلون أجسادهم بالشّمع من القرن الى القدم، فيجيء أحدهم و يجعل بين يديه