الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٤١
القسم الثاني هو الكذب الخفي و تحقيقه يتوقف على تمهيد المقدمة، و هي انّ اللّه عزّ شأنه قد كلّف العباد في عالم الأرواح و عالم الأشباح و قبلوا تكاليفه و سيّما هذا العالم فانّهم ذاكرون له و يدّعون في ذلك النسيان، كما قال ابن عباس: سميت إنسانا لأنّك ناسي، و هو نسيت لما جرى في عالم الأرواح، و جملة التكاليف هو التصديق بما جاء به النبي ٦، و أعظمها الأوامر و النواهي، و من دخل تحت قلم التكليف فقد أقرّ ظاهرا و باطنا بإلتزام الشرائع و لوازمها من الأحكام، فالصادق في هذا الإقرار من بقي على حالة واحدة و لم يتلوث بمخالفة الأوامر و النواهي، و من تلوّث فيها و ارتكب ما يخالف اعترافه الأوّل فقد كذّب نفسه في ذلك الأعتراف و في قوله أتوب الى اللّه فإنّ أتوب معناه ارجع اليه عما فعلته، فمن قال: هذه الكلمة في هذا اليوم و ارتكب شيئا من النواهي في غد فقد كذب و هذا الكذب أقبح من غيره حيث انّه كذب مع اللّه و ملائكته الكاتبين و أنبيائه المقرّبين و عباده الصّالحين.
و من هذا جاء الحديث ان رجلا اتى النبي ٦ و طلب منه ان يأمره بأنفع الأعمال فقال له رسول اللّه ٦: اصدق و لا تكذب و اعمل من المعاصي ما شئت، فاستعجب الرجل من هذا القول و قبله، فلما رجع قال: النبي ٦ لم ينه الا عن الكذب فانا آتي فلانة و كانت امرأة جميلة، فلما مضى الى بيتها ليزني بها تفكر في نفسه و قال: اذا خرجت من عندها و لقيني احد و سألني اين كنت و ما كنت تعمل؟ فان صدقته في القول صار امري عظيما و ان كذبت فقد نهيت عنه، فرجع الى منزله ثم طلب ان يفعل ذنبا آخر و فكّر مثل هذا فأقلع عن جميع المعاصي، اذا عرفت هذا فأعلم ان من الكذب الخفي ما نواجه ربنا و المطّلع على سرائرنا و ضمائرنا كل يوم و أقله عشر مرات، و ذلك انّا نقف بين يديه و نقول الحمد لك ايها المربي لنا الرحمن الرحيم بنا، المالك لأمورنا في يوم الوفود عليك فنحن نخصك بالعبادة و نخصك بالأستعانة بك فنحن لا نعبد غيرك و لا نستعين الا بك، و العبادة هي الا طاعة و الأنقياد فانظر و تفكر و قل كيف أصدق في هذا المقال و انا أطيع غيره ممن نهاني عن اطاعته، و الأنقياد لهم، و من جملتهم عدوه و عدوك الشيطان فالمصر منا على اطاعته و هم الأكثرون خصوصا حال الصلاة كيف يكون صادقا في اياك نعبد و من جملة معبوديك نفسك الأمارة بالقبائح التي لا تقصر عن الشيطان و هواك المردي لك، و من الجملة ايضا معبوديك من أهل الدنيا كالسلطان و الحاكم و عمالهما و عبيدهما و عبيد عبيدهما و كلابهما و دوابهما و امائما و من تتوهم انتسابه اليهما فما أكثر ما جعلت لربك من الشركاء و المعبودين و لقد أحسن ابن عباس حيث قال:
في قوله تعالى و لا تتخذوا الهين اثنين انه تعالى نهاك عن الأثنين