الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٣٣
الشرعية ام في الأحكام العرفية، فيكون مخصوصا في الحكّام و القضاة، و لا يبعد ارادة المعاني كلّها فإنّك قد عرفت ما ورد من الأخبار الواردة في عقاب من أعان تارك الصلاة او سلّم عليها و تبسّم في وجهه و كذا شارب الخمر و قاطع الرحم و غير ذلك من الذنوب المغلّظة، و حينئذ فيحرم اعانة كل هؤلاء بما يسمى اعانة عرفا كما قاله بعض المحققين او بكل ما أطلق عليه الأعانة لغة كما هو الأولى، و في هذا بلية عامّة لعموم البلوى به، و ذلك ان قضاة الشيعة خصوصا في هذه الأعصار الغالب عليهم الجهالة بالأحكام الشّرعية و أخذ الرشاوى و العمل بالأحكام موافقا لمن كان لهم اليه ميل من الخصمين، فقد شاهدنا بعض القضاة اذا وردت عليه الدعوى يحكم بها بعد أخذ الرشوة، فقال رجل من الصلحاء: لو ان هذا الخصم الآخر أعطاك أكثر من ذلك الرجل كيف كنت توجه له الحكم، قال: لو أعطاني أكثر لكان قلت كذا و كذا، فصوّر صورة لم تكن تخطر على خاطر الشّيطان، و قد يكون القاضي رجلا يتجنب الرشاوي لكن ليس له أهليّة الفتاوى في الأحكام، فهذا ايضا من قضاة الجور و ان قضى بحق اتفاقا، بل و لو قضى بحق من وجه الكتاب الفقهي لأنّ المشهور بين علمائنا رضوان اللّه اللّه عليهم انّه لا يجوز تقليد الميت، فانّ الخلاف موجود في أكثر مسائل الفقه، و لو طالع كتابا آخر كان قد رأى مذهبا آخر و هلّم جرّا، بل و لو طالع كتابا آخر لصاحب هذا الكتاب لوجه الأختلاف كما لا يخفى على من تتّبع كتب العلامة قدّس اللّه روحه، فانّه قلّما ذهب في كتابين الى اجتهاد واحد بل له في كتاب واحد اجتهادات مختلفة.
و بالجملة فاعانة مثل هؤلاء القضاة معونة الظالمين أيضا، و من جملة اعانتهم الأختلاف الى مجالسهم الذي يحصل منه ترويج أقوالهم و اقبال عوام الناس عليهم قائلين لو لم يكن هذا القاضي من أهل هذا المنصب لما قصده فلان و جلس معه و لم ينكر عليه، و من الأعانة ايضا السّعي له عند السلطان او من نصّبه لنصب القضاة و كذا قرضه الدّراهم ليستعين بها على اتمام اموره، و من الأعانة المحرمة الأختلاف اليه في الدعاوى و أخذ الأموال بحكمه و ان كان حقّا، روى شيخنا الكليني عن عمر بن حنظلة قال: سألت ابا عبد اللّه ٧ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث فتحاكما الى السلطان او الى القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم اليهم في حق او باطل فانّما تحاكم الى الطّاغوت، و ما يحكم له فانّما يأخذ سحتاوان كان حقا ثابتا له، لأنّه أخذ بحبكم الطاغوت و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال: اللّه عز و جلّ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ قلت كيف يصنعان، قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانّي قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكم فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه و علينا ردّ، و الراد علينا الرادّ على اللّه،