الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٣٢
انه يرد على التخصيص اعتراض و هو ان اعانة كل احد بالمحرم محرمة سواء كانت اعانة الظالمين ام غيرهم، بل فعل المحرم في نفسه حرام سواء كانت اعانة او غيرها.
قال شيخنا البهائي (ره): و اما ما ينقل عن بعض الأكابر من انّ خياطا قال له: انّي اخيط للسلطان ثيابه فهل تراني داخلا بهذا في أعوان الظلمة؟ فقال: الدّاخل في اعوان الظلمة من يبيعك الأبر و الخيوط و أمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم فالظّاهر انه محمول على نهاية المبالغة في الأحتراز عنهم و الأجتناب عن تعاطي امورهم و الّا فالأمر مشكل جدا انتهى.
أقول و على ما ذكرناه لا يكون هذا من باب المبالغة و لا من نهايتها لأنّ بيّاع الأبر و الخيوط اذا علم انّ الخيّاط يخيط ثياب الظالم لا يجوز له ان يبيع منه، و لو أصرّ الناس كلهم على هذا لتعطلت أمور الخياط فترك الخياطة، و اذا ترك الخياطة أقلعوا عن الظلم و عزلوا أنفسهم عمّا ليس لهم من المناصب الجليلة، و روي عن النبي ٦ قال: اذا كان يوم القيامة ناد مناد أين الظلمة و أشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما او لاق لهم دواة[١] قال فيجتمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم، اذا تحققت هذا كلّه فاعلم انّه قد بقي الكلام في مقامين:
الأول في تحقيق معنى الظالم الذي يحرم ماونته مطلقا او على وجه، فنقول: المفهوم من الكتاب و السنة انّ للظالم اطلاقات، منها اطلاقة على الكفّار و المشركين قال: سبحانه الا ان الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ و منها اطلاقة على كل من خالف مذهب الأمامية حيث انهم ظلموا عليا ٧ حقّه بقولهم انّ غيره أفضل منه، و ترتيبهم الخلفاء على ما ذكروه، و منها اطلاقة على حكامهم و سلاطينهم حيث ظلموا الأئمة عليهم السّلام مناصبهم و ظلموا الرعية و ظلموا أنفسهم أيضا، فأبو بكر و عمر و عثمان من الظالمين بالأمور المذكورة كلّها، و منها اطلاقة على كل سلاطين الجور الذي لم يكن لهم اذن من الأمام ٧ لا عموما و لا خصوصا كالمجتهدين و ان كان اولئك السلاطين من الشّيعة قد حكموا بالجور لا بالعدل، و منها اطلاقة على كل من يحكم بجور سواء كان في الأحكام الشرعية ام غيرها سواء كان منّا او منهم، فيدخل فيه القضاة و أهل الفتوى من الفريقين.
و منها اطلاقة على البالغ في انتهاك الذنوب حيث انّه ظلم نفسه، و آيات القرآن متكثّرة بهذا الأطلاق كقوله (الا من ظلم نفسه) و قوله الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الى غير ذلك، فيدخل فيه جميع أهل المعاصي من جميع فرق الأسلام و ان كان من الشيعة، و الشّائع في العرف اطلاقه على اهل الحكم الذين يحكمون بالجور سواء كانوا منّا او من غيرنا و سواء كان حكمهم في الأحكام
[١] لقت الدواة أصلحت مدادها.