الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٦٧
تعالى عليهم بالبحث و خصوها بالتصنيف فليطالع فيها كتابا و أحسنها في هذه الأيام الآيات الأحكامية التي صنفها شيخنا الشيخ جواد الكاظمي تغمده اله برحمته[١] و استنباط الفروع من الأصول و استفادة الحكم من كتاب أو سنة من جهة النص أو الإستنباط من عموم لفظ أو إطلاقه و من حديث صحيح أو حسن أو غيرهما ليتدرب على هذه المطالب على التدريج؛ و هذا لا يحصل إلا بقوة قدسية يمنحها اللّه سبحانه لعبده و لا حيلة للعبد فيها نعم للجد و المجاهدة و الإنقطاع إلى اللّه سبحانه أثرين في تحصيلها كما قال: و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و أن اللّه لمع المحسنين؛ فإذا فرغ من ذلك كله شرع في تفسير الكتاب العزيز بأسره فكل هذه العلوم مقدمة له، فإذا وفق له فلا يقتصر على ما استخرجه المفسرون بأنظارهم فيه بل يكثر من التفكر في معانيه و يصفي نفسه للتطلع على خوافيه و بتهل إلى اللّه تعالى في أن يمنحه من لدنه فهم كتابه و أسرار خطابه، فحينئذ يظهر عليه من الحقائق ما لم يصل إليه غيره من المفسرين، لأن الكتاب العزيز بحر لجيّ في قعره درر و في ظاهره خبر، و الناس في التقاط درره و الإطلاع على بعض حقائقه على مراتب و من ثم ترى التفاسير مختلفة حسب اختلاف أهلها فيما يغلب هليهم.
فمنها ما يغلب عليه العربية ككشاف الزمخشري، و منها ما يغلب عليه الحكمة و البرهان الكلامي كما فتح الغيب للرازي، و منها ما يغلب عليه القصص كتفاسير الثعلبي و منها ما يسلط على تأويل الحقائق دون التفسير الظاهر كتفسير عبد الرزاق الكاشي إلى غير ذلك من المظاهر فإذا فرغ من ذلك و أراد الترقي و تكميل النفس فليطالع كتب الحكمة من الطبيعي و الرياضي و الحكمة العملية المشتملة على تهذيب الأخلاق في النفس و ما خرج عنها من ضرورات دار الفنا، ثم ينتقل بعده إلى العلوم الحقيقية و الفنون الخفية فإنها الباب لهذه العلوم و نتيجة كل معلوم و بها يصل إلى درجة المقربين و يحصل على مقاصد الواصلين، هذا كله ترتيب من هو أهل لهذه العلوم و له استعداد لتحصيله و نفس قابلة لفهمها، فأما القاصرون عن درك هذا المقام و الممنوعون بالعوائق عن الوصول إلى هذا المرام فليقتصروا منها على ما يمكنهم الوصول إليه متدرجين فيه حسب ما دللنا عليه، فإن لم يكن لهم بد من الأقتصار فلا أقل من الإكتفاء بالعلوم الشرعية و الأحكام الدينية، فإن ضاق الوقت و ضعفت النفس عن ذلك فالفقه أولى من الجميع فبه قامت النبوات و انتظم أمر المعاش و المعاد مضيفا إليه ما يجب مراعاته من تهذيب النفس و إصلاح القلب ليترتب عليه العدالة التي بها قامت السموات و الأرض و التقوى الذي هو ملاك الأمر فإذا فرغ عما خلق له من العلوم فليشتغل بالعمل الذي هو زبدة العلم و علة الخلق قال اللّه تعالى و ما خلقت الجن
[١] هو تلميذ الشيخ البهائي قدس سره و كتابه في آيات الأحكام و هو كتاب جليل من نفائس الآثار.