الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٤٠
و قد اكثر من التصانيف العالية في انواع العلوم و قد كان في الحلم و العفو عمّن اساء اليه بمكان لا يداني فيه، و اما شجاعته و قوة قلبه فقد كانت تضرب بها الأمثال، و قد اتصلنا بملازمة مجلسه العالي اوقاتا كثيرة و ما كان عيب مجلسه الا ذكر فنون العلوم و الآداب فيه كما قال الشاعر:
|
و لا عيب فيهم غير ان سيوفهم |
بهنّ فلول من قراع الكتائب |
|
و قد ذكرنا فيما تقدم مكاتبة أرسلها الينا أكثر فيها الملاطفة و اظهار المحبة، و في وقت تأليف هذا الكتاب صار الوالي ولده المبارك الذي اقتفى أثر ابيه في مكارم الأخلاق السيد حيدر خان، و بالجملة فالولاة اذا جعلوا هذا النور قانونا لأعمالهم و أحكامهم فازوا بالنّشأتين و وفقوا للدولتين.
(نور في احوال العالم و المتعلم و كيفية آدابهما)
و هذا النور يشتمل على فوائد: الفائدة الأولى آدابهما في أنفسها و هي على أمور:
الأول في نية التعليم و التعلم فانك قد عرفت انّ مدار قبول الأعمال على النّية و بسببها يكون العمل تارة خزفة لا قيمة لها و تارة وبال على صاحبه مكتوب في ديوان السّيئات و ان كان في صورة الواجبات.
روي عنه ٦ انه قال ان اول اناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به الى فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت و لكنك قاتلت ليقال جريّ فقد قيل ذلك ثم امر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، و رجل تعلم العلم و علّمه و قرأ فيك القرآن قال كذبت و لكنّات تعلّمت ليقال انّك قارئ فقد قيل ثمّ امر به فسحب على وجهه حتى القي في النار.
و هذه الدرجة هي درجة الأخلاص عظيمة المقدار كثيرة الأخطار، و ذلك انّ الأنسان لو فكر في نفسه لعلم انّ الباعث الأكثر سيّما في الأبتداء لطالب العلم طلب الجاه و المال او الشهرة و انتشار الصيت و لذة الأستيلاء و استثارة الحمد و الثناء و ربما لبس الشيطان عليه مع ذلك و يقول لهم غرضكم نشر دين اللّه.
و هذه المقاصد تظهر عند ظهور واحد من الأقران اكثر علما منه و أحسن حالا بحيث يصرف الناس عنه فلينظر حينئذ فان كان حاله مع الموقّر له و المعتقد لفضله احسن و هو له اكثر احتراما و تلقى به أشدّ استبشارا ممّن يميل الى غيره مع كون ذلك الغير مستحقا للموالاة فهو مغرور عن دينه مخدوع و هو لا يدري، و ربّما انتهى الأمر بأهل العلم الى ان يتعايروا تعاير النساء فيشقّ على احدهم ان يختلف بعض تلامذته الى غيره و ان كان يعلم انه ينتفع بغيره و يستفيد في دينه، و لو كان الباعث على العلم هو الأخلاص لكان اذ اظهره غير شريكا او مستبدا او معنا على التّعليم