الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٣٠
و لا يكتفي بأدنى فهم دون اقصاه اوقفهم في الشبهات و آخذهم بالحجج و اقلهم تبرما بمراجعة الخصم و اصبرهم على تكشف الأمور و اصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزهيه اطراء و لا يستميله اغراء و اولئك قليل ثم أكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيل علته و تقل معه حاجته الى الناس و اعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك أغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظرا بليغا فان هذا الدين قد كان اسيرا في ايدي الأشرار يعمل فيه بالهوى و تطلب به الدنيا ثم انظر في امور عمالك فاستعملهم في امورك اختيارا و لا تولهم محاباة و آثره فانهما جماع من شعر الجور و الخيانة و توخ منهم اهل التجربة و الحياء من البيوتات الصالحة و القدم في الأسلام المتقدمة فانهم اكرم اخلاقا و اصح اغراضا و أقل في المطامع اشرافا و ابلغ في عواقب الأمور نظرا ثم اسبغ عليهم الأرزاق فان ذلك قوة لهم على استصلاح انفسهم و غنى لهم عن تناول ما تحت ايديهم و حجة عليهم ان خالفوا امره او ثلموا امانتك ثم تفقد اعمالهم و ابعث العيون من اهل الصدق و الوفاء عليهم فان تعاهدك في السر لأمورهم جذوة لهم على استعمال الأمانة و الرفق بالرعية، و تحفظ من الأعوان فان احد منهم بسط يده الى خيانة اجتمعت بها عليه عندك اخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا و بسطت عليه العقوبة في بدنه و أخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلّة و وسمته بالخيانة و خلّدته عار التهمة.
و تفقد الخراج بما يصلح اهله فانّ في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم و لا صلاح لمن سواهم الا بهم، لأنّ الناس كلهم عيال على الخراج و اهله، و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك الا بالعمارة و من طلب الخراج بغير عمارة و أخرب البلاد و أهلك العباد لم يستقم امره الا قليلا، فان شكوا ثقلا او علة او انقطاع شرب او بالّة او احالة ارض اغتمرها غرق او احجف بها عطش خففت عنهم بما ترجوا ان يصلح به امرهم فلا يثقلن عليك شيء خففت به المؤنة عنهم فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك و تزين ولايتك مع استجلاب حسن ثناؤك و تبحجك باستفاضة العدل فيهم متعمد افضل قوتهم بما ذخرت عندهم من اجمالك لهم و الثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم و رفقك بهم فربما حدث من الأمور ما اذا عوّلت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة انفسهم به فان العمران محتمل ما حملته و انما يؤتى خراب الأرض من أعواز اهلها و انما يعوز اهلها لأشراف انفس الولاة على الجمع و سوء ظنه بالبقاء و قلة انتفاعهم بالعبر ثم انظر في حال كتابك فول من امورك خيرهم و اخصص رسائلك التي تدخل فيها تدخل فيها مكائدك و اسرارك باجمهم لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترى بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ و لا تقصر به الغفلة عن ايراد مكاتبان عمالك عليك و اصدار جواباتها على الصواب عنك و فيما يأخذ لك و يعطي منك،