الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٢
ما يتحمله الشّريف المنعم و لا نؤاخذ البريء بالسقيم و لا الكريم باللئيم النمام عندنا مفقود و العدل في جانبنا موجود الظلم لا نتعاطاه و الجور أنفسنا تأبأه، لا نطمع في الباطل و لا نأخذ العشر قبل الحاصل، لا ننكث العهود و لا نحنث في الموعود الفقير عندنا مدعو و المفتخر لدينا مقصو، جارنا لا يضام و عزيزنا لا يرام رعيتنا مرعية و حوائجهم لدينا مقضية صغيرهم عندنا خطير وزريهم لدينا كبير، الفقير بيننا لا يوجد و الغنى بما لديه يسعد العالم عندنا مكرم معظم و التّقى عندنا (لدينا خ) موقّر مقدم، و لا يسد بمملكتنا باب و لا يوجد عندنا سارق و لا مرتاب سماؤنا معطرة و اشجارنا لم تزل مثمرة، لا نعامل بالشهوات و لا نجازي بالهفوات، الطير الينا شاكي و البعير اتانا متظلم و باكي عدلنا قد عم القاصي و الداني وجودنا قد غمر الطائع و العاصي، عقولنا باهرة و كنوزنا ظاهرة و فروجنا عفايف و ذيولنا نظايف، أفهامنا سليمة حلومنا جسيمة كفوفنا سوامح بحورنا طوافح نفوسنا ابية و طوالعنا المعية، ان سألنا اعطينا و ان قدرنا عفينا (عفونا) و ان وعدنا اوفينا و ان غضبنا اغضينا، فلمّا وصل الكتاب الى قيصر قال يحق لمن يكون هذه سياسته ان تدوم رئاسته.
و ينبغي للوالي ان لا يشعر قلبه التّكبر و ان اظهره في حضور الرعية لمصلحة الملك و اذا جلس او ركب و رأى العساكر حافّة به فليذكر ذلك الوقت عظمه اللّه سبحانه و ليذكر حقارته و هوانه، و ان الملك زائل عنه اغلى غيره و انّه يصل الى طبقات الأرض و يصاحب الديدان، فاذا خطر بخاطره مثل هذا عرف قدر نفسه.
و في كتب السير انّ عمر بن عبد العزيز كان له ابن و قد صاغ خاتما من ألف درهم، فحكوا له ما صنع ابنه، فكتب اليه يا بني بع الخاتم بألف درهم و اشبع بها ألف مسكين و صغ خاتما من اربعة دراهم و اكتب على فصّه رحم اللّه امرأ عرف قدره، فصنع ما امره، و في الحديث القدسي العز ازاري و الكبرياء ردائي فمن نازعنيهما ادخله ناري و لا ابالي.
و قال ٧ يا ابن آدم أني لك و الفخر فانّ أوّلك جيفة و آخرك جيفة و في الدنيا حامل الجيف، و قد سبق تحقيق هذا في باب التكبر.
و ينبغي للوالي ان يجعل لأمواله ثلاثة من الوكلاء: واحد منها يكون وكيله في قبض الأموال الحلال مثل مداخل أملاكه و تجاراته الحلال و نحو ذلك ليصرفها على نفسه و على تصدّقاته و عطاياه للعلماء و الفقراء و الأخيار، و ثانيها ان يكون وكيله في قبض الخراج و الأموال التي تجبى اليه كل سنة و يكون قانونا سلطانيا على الرعية فانّ مثل هذه تقرب من الحلال ان لم تكن حلالا، و ذلك انّ الوالي اذا كان عالما عاملا من عمّال السلطان و أولاه تلك البلاد فكأنه أعطاه مال خراجها و مقرّراتها و يكون الوزر على السلطان، فبهذا يكون داخلا تحت الشبهات و لا يكون حراما محضا، و ثالثها ان يكون وكيله في قبض المحرمات المحضة فانّ ولاة هذه الأعصار و لا يتركون