الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢١٣
الثواب ما لا يحصى و ان النظر الى العلماء عبادة، و اما اختيار صاحب منهم بتلك الأوصاف فليكون واعظا له مذكرا له في احوال الغفلات لكثرة مشاغله فيحتاج الى الواعظ و المذكّر، و هكذا كان احوال الملوك و السلاطين في الأعصار الماضية.
و ينبغي ان يعظه برفق، روي ان عابدا دخل على معاوية ليعظه، فقال يا فاسق يا كلب هكذا تظلم الناس و أطال الكلام معه، فقال له معاوية يا عابد انت افضل من موسى نبي اللّه ام هو افضل منك؟ فقال بل موسى خير مني، فقال له و أنا أشقى ام فرعون؟ فقال بل فرعون، فقال انّ فرعون لما ارسل اللّه اليه واعظين و هما موسى و هارون قال لهما فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى فأمرهما اللّه سبحانه بالكلام اللّين و أنت تعظني بهذه الخشونة، و ليكن هم المصاحب للوالي ان يقص عليه احوال الملوك و الولاة المتقدمين الذين كانوا أشد منه بأسا و أقوى مراسا فأفناهم الزمان و جار عليهم الدهر الخوان، و من اعظمهم نبي اللّه سليمان بن داود ٧ فلقد طلب من اللّه تعالى الملك بقوله رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ حتى قال نبينا ٦ رحم اللّه اخي سليمان ما كان ابخله.
و قال الصادق ٧ لما سأل عن معنى الآية و الحديث، فقال اما معنى الآية فهو ان سليمان اراد ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ان يقول ان ملك سليمان قد حصّله سليمان بالغلبة و الجنود مثل سلاطين الدنيا، فسخّر اللّه له الريح و الطير و الوحش و ميز ملكه عن ملك الملوك حتى عرف الناس ان ملك سليمان قد أعطاه اللّه ايّاه و اما معنى الحديث فقال ٧ رحم اللّه اخي سليمان ما كان ابخله بعرضه، او رحم اخي سليمان ماكا ابخله لو كان معنى الآية ما ذهب اليه عوام الناس من الأخذ بظاهرها، و قد منح اللّه سبحانه سليمان ٧ ملكا عظيما حيث سخر لهى ما في الكونين فأمر سليمان ٧ الجن فنسجوا له بساطا من الأبريسم و الذهب، و كان يجلس عليه مع خاصته، و كان في مجلسه على البساط ستمائة ألف كرسي، و لسليمان ٧ سرير مرصع في وسط الكراسي يجلس عليها العلماء و الأنبياء، و سخر له ريح الصبا غدوها شهر و رواحها شهر، و كان يسير في اول النهار من مكة و يتغذى في الكوفة ثم يسير من الكوفة و يتعشى في الشام.
و قد زاد اللّه في ملكه بانّه ما يتكلم احد كلمة اين ما كان الا ألقتها الريح الى اذنه حتى يسمعها، و مع هذا الملك كان لم يأكل ما مسّه النار بل كان يعمل من سعف[١] الخوص زنبيلا و يشتري بثمنه شعيرا فيضعه بين صخرتين حتى يصير جريشا و يجعله في الشمس حتى يجف فيأكله،
[١] محركة جريدة النخل او ورقه.