الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٩
تطلبوه بشيء من معصية اللّه، فإنّ اللّه تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا و لم يقسمها حراما، فمن اتقى اللّه و صبر أتاه رزقه من حله و من هتك حجاب ستر اللّه عز و جل و أخذه من غير حاّه قص به رزق الحلال و حوسب عليه يوم القيامة، و أما ما يترآى من بعض الأخبار التي أطلق عليها لفظ الرزق على الحرام فسبيله التأويل و ارتكاب المجاز جمعا بين الأخبار، مع أنّ اللّه سبحانه قال في كتابه العزيز و مما رزقناهم ينفقون، فمدحهم على هذا الإنفاق و لا مدح لمن أنفق من الحرام.
بقي الكلام في أن الرزق هل ينقص يزيد بتفاوت السعي و نقصانه ام لا؟ و ظاهر الأخبار المعتبرة أنّه إذا ضمّ إليه السعي القليل المأمور به كان غير قابل لهما بل لا يصل إليه إلا ما قدّر له، و في دعاء الصحيفة و جعل لكل أرواح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقه لا ينقص من زاده ناقص و لا يزيد من نقص منهم زايد، و في الحديث أنّ أرزاقكم تطلبكم كما تطلبكم آجالكم فلن تفوتوا الأرزاق كما لم تفوتوا الآجال؛ نعم لو جلس الرجل في بيته و ترك الطلب فهل يجب على اللّه سبحانه إيصال الرزق إليه أم لا يجب؟ قال بعضهم بوجوب القدر الضروري و هو ما يمسك به الحياة؛ و قال بعضهم لا يجب إلا لمن ألقى عنان التوكل إليه لقوله تعالى و من يتوكل على اللّه فهو حسبه، و الحق إنّ مثل هذه الأيصال غير واجب عليه سبحانه، نعم ربما تفضل به و لا مانع من التفضل.
في الحديث أنّه لما نزل قوله تعالى و ما من دابة في الأرض إلا على اللّه رزقها قال أصحاب النبي ٦ إنّ ربنا قد تكفل بأرزاقنا فلا نتعب في طلبها فغلقوا عليهم الأبواب و جلسوا في بيوتهم، فنزلت آية السعي في مناكب الأرض و أطرافها، ففتحوا الأبواب و سعوا في تحصيل الأرزاق، و من هنا كان المحدّثون من أصحاب النبي و الأئمة عليهم السّلام أهل حرفة و كسب و تجارة؛ نعم ذاك زمان و هذا زمان و ذلك أن العلم كان علم الكلام و الحديث و كانت عين الحياة موجودة عندهم يردونها في كل أوقاتهم و لا كانوا مثلنا يحتاجون إلى الاجتهاد في المسائل عند تعارض الأدلّة؛ و لا كانوا يحتاجون إلى صرف أكثر أوقاتهم في الفحص عن أحوال العلوم و مقدماتها من العربية و المنطق و اللغة إلى غير ذلك من علوم الإجتهاد الإثنى عشر علما؛ و قد اشتهر أن العلم نقطة كثرها الجاهلون و قد قلنا سابقا بدله أن العلم بسيط ركّبه العالمون، فمن هذا لم يسع العلماء في هذه الأعصار الجمع بين الكسب للمعاش و تحصيل العلوم الكثيرة إلى أن يبلغوا درجة الأجتهاد فلا جرم و كلّوا أمور معاشهم إلى خالقهم و هو رازقهم و عليه فليتوكل المتوكلون؛ و قد تتبعنا أكثر موارد الرزق و أسبابه فلم نر سببا أجلب للرزق من الصدقة، فإن الوفاء حاضر و هو عشرة أو سبعون إلى سبعمائة عوض الواحد، فمن أراد تصديق هذا فليتصدق على فقير بدرهم و ينظر كيف يجازيه ربه في ذلك اليوم أو غده مع ما يدّخر له من الأجر الجزيل و الثواب