الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٨
حرم الإعلام من كثرة الغذاء الأبداني لوجود الأرواح عندهم، و على هذا فالعلماء مرزوقون الرزق الأكمل؛ و حينئذ فقوله:
|
كم عالم عالم أعيت مذاهبه |
و جاهل جاهل تلقلاه مرزوقا |
|
|
هذا الذي ترك الأوهام حائرة |
و صيّر العالم النحرير زنديقا |
|
مما لا ينبغي و ذلك لأنّ العالم اكثر رزقا من الجاهل و إن كان له ملك كسرى أو قيصر، و من كان له حظ من الإنصاف و كان له نوع اطلاع على بعض العلوم يعلم أنّه لو أتى إليه جاهل سيّما الأحمق و كان عنده من المال ما لا يحصى، و قال أريد أن اعاوضك هذا المال الوافر بهذا العالم القليل الذي تعرفه لم يقبل ذلك العالم بل يرجع عليه ماله و ذلك لأنّ الأموال لذّات خيالية و ما يصل إلى مالكها منها إلا تعب الأرواح و الأبدان و العلم لذّة حقيقية لا يزال يصعد بصاحبه حتى يرقيه فوق مراتب الملوك و السلاطين، و هل رأيت عالما عزل عن سرير علمه؟ و كم رأيت سلطانا عزل عن سرير ملكه و تاجر أغرق ماله أو سرق فبقي يتكفف الناس
و نظير هذا ما روي من أن رجلا من فقراء الشيعة أتى إلى الأمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق ٧ فشكى إليه الفقر، فقال له ٧ انت من شيعتنا تدعي الفقر شيعتنا كلهم أغنياء، ثمّ قال له يا فلان أنت (إنّ) لك تجارة قد أغنتك؛ فقال و ما هي؟ قال لو أنّ رجلا غنيا قال لك أعطيك ملأ الدنيا فضة و تحول عن ولاية أهل البيت إلى ولاية غيرهم أ كنت فاعلا قال لا يا ابن رسول اللّه و لو ملأت الدنيا لي ذهبا، فقال ٧ إذن لست فقيرا و أنّما الفقير من ليس له مالك، ثمّ وصله بمال.
و روي انّ النبي ٦ قال يوما لأصحابه من الفقير؟ قالوا الذي لا درهم له و لا دينار؛ فقال النبي ٦ ليس هذا هو الفقير، و إنّما الفقير الذي يؤتى به في عرصات القيامة ضاربا لهذا و شاتما لهذا و غاضبا من هذا؛ فإن كان له شيء من الحسنات أخذت منه و دفعت ألى المضروب و المغصوب منه و المشتوم، و إن لم يكن له حسنات أخذت ذنوبهم و جعلت في عنقه، أقول و ذلك قوله تعالى و ليحملنّ أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم.
و لنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول أن خطبته ٦ في حجة الوداع قد رواها العامّة و الخاصة و هي صريحة فما ذهبنا إليه غير قابل للتأويل، رواها شيخنا الكليني طاب ثراه بإسناده ألى الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر ٧ قال: قال رسول اللّه ٦ في حجة الوداع ألا أنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه و اجملوا في الطلب، و لا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن