الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٥
خصمه أكمل في هذه الأربعة من الوكيل، لم تطمئن نفسه إلى وكيله؛ و تتفاوت أحواله في شدّة الثقة و الطمأنينة بحسب تفاوت قوّة إعتقاده لهذه الخصال في وكيله، و إذا وقع في يده مثل هذا الوكيل إعتمد عليه و فوّض كشف ذلك التلبيس إليه، فإذا كان حاله هذا في حال رجل مثله ربما يظن فيه مثل هذه الامور و كان الواقع خلافها فكيف لا يوكل من يعلم أنّه قد بلغ من هذه الخصال الأربع غايتها و هو جناب الحق سبحانه، فيجعله وكيله فيما يعتريه من تلبيسات الشيطان و من ألاسباب التي يحتاج إليها في عالم حياته في كلّ أوان، و ليفهم معنى قوله لا حول و لا قوة إلا باللّه فإذا تفهم هذا المعنى قوي باعث توكله على اللّه تعالى في جميع الأمور، و هذا اليقين حاصل لأكث النّاس؛ نعم قد يضعف اليقين بانضمام الأوهام إليه فغنّ القلب قد ينزعج بتبعية الوهم، فإنّ العاقل لو كلّف المنام مع الميت في بيت واحد لربّما جبن قلبه و خاف منه مع علمه بإنّه جماد و أنّه لا فرق بينه و بين الأحجار الموضوعة في البيت، و إذا عرفت هذا فاعلم أنّ لتلك الحالة ثلاث درجات الأولى ما ذكرناه، و هو أن يكون حاله في الثقة على اللّه و الإعتماد على كفالته كحاله في الثقة بالوكيل.
الثانية و هي أقوى أن يكون حاله مع اللّه كحال الطفل مع أمّه فإنّه لا يعرف غيرها و لا يفزع إلى أحد سواها، و إذا رآها تعلق بذيلها و إن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه؛ فهو قد وثق بشفقتها ثقة ليست خالية عن نوع إدراك بالتمييز الذي له، و يظنّ أنّه طبع من حيث أنّ الصبي لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلفيق لفظه و لا على إحضاره مفصلا و لكن كل ذلك وراء الإدراك و الفرق بين هذه الدرجة و ما قبلها أنّ هذا متوكل و قد فنى في توكله عن توكله إذ ليس قلبه يلتفت إلى التوكل و حقيقته بل إلى الوكيل، و أما الأول فمتوكل بالتكلف و الكسب و ليس فانيا عن توكله بل له إلتفات إليه و ذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده.
الثالثة و هي القصوى و يأن يرى نفسه بين يدي اللّه تعالى كالميت بين يدي المغسّل فإنّه يقلبه كيف شاء و الإختيار إنّما هو إليه لا غير و هذا يفارق الصبي فإنّ الصبي يفزع إلى أمّه و يصيح إليها بل هذا مثاله مثال من علم أنّه إن ترك الأم فهي لن تتركه و تبتدر بجميع أنواع المنافع، و هذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء إعتمادا على كرمه و عنايته كما نقلنا عن الخليل ٧ و صاحب هذه الرتبة لا يبقى له تدبير في أموره بل اللّه تعالى هو المدبّر لأموره كما قاله أرباب السلوك.
و أما صاحب الدرجة الثانية فينبغي له تدبير ما أمره به الوكيل و إن كان قد ترك تدبير ما أمره به غيره، و من هنا قال الصادق ٧ التوكل هو أن تعقل بعيرك و تتوكّل على اللّه