الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٠
القدسي يا ابن آدم كما لا أطلب منك عمل غد في هذا اليوم فلا تطلب أنت منّي رزق غد في هذا اليوم، هذا محصل الكلام في الفقر.
و أما ما يوجبه فروي عن النبي ٦ أنه قال عشرون خصلة تورث الفقر، أوله القيام من الفراش للبول عريانا، و الأكل جنبا، و ترك غسل اليدين عند الأكل؛ و إهانة الكسيرة من الخبز، و إحراق الفوم و البصل، و القعود على أفنية البيت، و كنس البيت بالليل و بالثوب، و غسل الأعضاء في موضع الإستنجاء و مسح الأعضاء المغسولة بالمنديل و الكم، و وضع القصاع و الأواني غير المغسولة، و وضع أواني الماء غير مغطاة الرؤوس، و ترك بيوت العنكبوت في المنزل؛ و استخفاف الصلاة، و تعجيل الخروج من المسجد؛ و البكور إلى التسوق؛ و تأخير الرجوع عنه إلى العشاء، و شراء الخبز من الفقراء؛ و اللعن على الأولاد، و الكذب، و خياطة الثوب على البدن و إطفاء السراج بالنفس، و في خبر آخر و البول في الحمّام، و الأكل على الجشاء، و التخلل بالطرفاء و النوم بين العشائين، و النوم قبل طلوع الشمس، ورد السائل الذكر بالليل، و التمشط من قيام، و اليمين الفاجرة، و قطيعة الرحم و أما الزهد فهو إنصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه فإذا يستدعي حال الزهد مرغوبا عنه و مرغوبا فيه و شرط المرغوب عنه أن يكون مرغوبا فيه بوجه من الوجوه؛ و بالجملة فلا يتصور الزهد إلا بالعدول غير المحبوب إلى الاحب و الذي يرغب عن كل ما سوى اللّه تعالى حتى الفراديس فلا يحب إلا اللّه فهذا هو الزهد المطلق و أما الذي رغب عن الدنيا و لكن طمع في حور العين و قصورها فهذا أيضا زاهد و لكنه دون الأوّل.
و أما الذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض كالذي يترك التوسع في الأكل و لا يترك التجمّل في الزينة فلا يستحق إسم الزهد مطلقا و إن كان زهدا صحيحا كما أنّ التوبة عن بعض المعاصي صحيحة دون البعض الآخر على ما تقدم، فإذن الزهد المبحوث عنه هو الرغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير اللّه تعالى إليه تعالى، و إشترط بعضهم في المرغوب عنه ان يكون مقدورا عليه فإن ترك ما لا يقدر عليه محال؛ و قد يقوى اليقين في تلك النشأة حتى يبيع الرجل نفسه كما قال اللّه تعالى إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة؛ ثمّ بين أنّ صفقتهم رابحة فقال فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به.
و قد ورد في الأخبار أنّ عليا ٧ باع نفسه على اللّه تعالى، و قد اشترط اللّه عليه وقت الشراء الصبر على ما أصابه بعد النبي ٦ من الظالمين، وز إلى ما ذكرنا من أنّه يشترط في الزهد الرغبة عن محبوب إلى أحب منه الإشارة بما روى أنّ رجلا قال في دعاءه اللهم ارني الدنيا كما تراها، فقال له النبي ٦ لا تقل هكذا و لكن قل اللهم