الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٨
يعرف بذلك يوم القيامة، و يتحقق كونه ذا الّلسانين يعرف بذلك يوم القيامة، و يتحقق كونه ذا اللسانين كما قال شيخنا الأجلّ الشّيخ زين الدّين بأمور:
منها ان ينقل كلام كل واحد الى الآخر و هو مع ذلك نميمة و زيادة، فان النميمة يتحقق بالنقل من احد الجانبين فقط، و منها ان يحسن لكل واحد منها ما هو عليه من المعادات مع صاحبه و ان لم ينقل بينهما كلاما، و منها ان يعد كل واحد منهما بأن ينصره و يساعده و منها ان يثني على كل واحد منهما في معاداته، و اولى منه ان يثني عليه في وجهه و اذا خرج من عنده ذم، و الذي ينبغي له اما ان يسكت او يثني على المحق منها في حضوره و غيبته و بين يدي عدوه، و لا يتحقق اللسانان بالدخول على المتعاديين و مجاملة كل واحد منهما مع صدقه في المجاملة، و ان الواحد قد يصادق المتعاديين و لكن صداقة ضعيفة لا تصل الى حد الأخوة، اذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معاداة العدو كما هو المشهور من ان الأصدقاء ثلاثة الصديق، و صديق الصديق، و عدو العدو، و الأعداء ثلاثة العدو و عدو الصديق، و صديق العدو.
فان قيل كثيرا ما يتفق لنا اختلاف اللسانين مع الأمراء و اعداء الدين فهل يكون ذلك داخلا في النهي و النفاق كما ورد من انه سأل بعض الصحابة ان ندخل على امراءنا فنقول القول فاذا خرجنا قلنا غيره، قلنا ان كان القائل مستغنيبا عن الدخول على الأمير و عن مخالطة العدو الديني و أختار الأجتماع معه و الصحبة له اختيار طلبا للجاه و المال زيادة على القدر الضّروري فهو ذو لسانين و منافق كما ذكره الصحابي، و عليه يحمل الخبر، و ان كان محتاجا الى ذلك اتقاء ضرورة فهو معذور لا حرج عليه، فانّ اتقاء الشر جائز، قال ابو الدّرداء انّا لنشّ في وجوه أقوام و ان قلوبنا لتبغضهم، و روي انّه مر رجل على النبي ٦ فقال بئس رجل العشيرة، فلمّا دخل عليه أقبل عليه فقيل له في ذلك، فقال انّ شرّ النّاس الّذي يكرم اتقاء شرّه، و أكثر التحقيقات التي في هذين النّورين قد أخذنا من كلام شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه.
(نور في الكبر و الفخر و علاجاتهما و ما يناسب ذلك)
اعلم وفقك اللّه تعالى انّ الغرض الذّاتي من خلق الإنسان انّما هو الأطاعة و القيام بوظائف العبودية، قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و ليس المثل الّا كمولى يشتري عبدا فإنه ليس العلّة في شرائه الّا ان يأتي برسوم العبودية و لوازمها، و حينئذ فإرتقاؤه في درجات الكمال انّما يكون بإرتقائه في درجات العبودية سواء كان نبيا او غيره، و من هذا فضّلت مرتبة العبودية على مرتبة النبوة و الرّسالة، فقال تعالى مخبرا عن غاية قرب نبيّه و تمام التنويه باسمه