الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٥٨
رضائي في رضاك بقضائي، و في مناجاة من نبي أي رب ايّ خلقك احب اليك؟ قال من اذا اخذت حبيبه سالمني، قال فأيّ خلق انت عليه ساخط؟ قال من يستخيرني في الأمر فاذا قضيت له سخط قضائي.
و روي ان جابر بن عند اللّه الأنصاري رضي اللّه عنه أبتلي في آخر عمره بضعف الهرم و العجز فرآه محمد الباقر عليهما السّلام فسأله عن حاله، فقال انا في حالة أحبّ فيها الشّيخوخة على الشباب و المرض على الصحة و الموت على الحياة، فقال الباقر ٧ اما انا فان جعلني اللّه شيخا أحب الشيخوخة، و ان أماتني أحب الموت، و ان ابقاني أحب البقاء، فلمّا سمع جابر هذا الكلام قبّل وجهه و قال صدق رسول اللّه ٦، فانه قال ستدرك لي ولدا اسمه اسمي يبقر العلم بقرا كما يبقر الثّور الأرض، و لذلك سمّى باقر علم الأولين و الآخرين أي شاقه.
و روى (و ورد خ) في الأسرائيليات انّ عابدا عبد اللّه تعالى دهرا طويلا فراى في المنام فلانة رفيقتك في الجنة، فسأل عنها و استضافها ثلاثا لينظر الى عملها فكان يبيت قائما و تبيت نائمة و يظل ائما و تظلل مفطرة، فقال لها أما لك عمل غير ما رأيت؟ فقالت ما هو غير ما رأيت و لا أعرف غيره، فلم يزل يقول تذكري حتى قالت خصيلة واحدة هي ان كنت في شدّة لم أتمن ان اكون في رخاء، و ان كنت في مرض لم اتمن ان اكون في صحة و ان كنت في الشمس لم اتمنّ ان اكون في الظّل، فوضع العابد يديه على رأسه و قال أ هذه خصيلة، هذه و اللّه خصلة عظيمة يعجز عنها العباد.
و اما درجات الرضا فثلاثة: الأولى ان ينظر الى موقع البلاء و الفعل الذي يقتضي الرضا و يدرك موقعه و يحسّ بألمه، و لكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له بعقله و ان كان كارها له بطبعه طلبا لثواب اللّه تعالى و الفوز بالجنة التي عرضها السماوات و الأرض و قد أعدّت للمتقين، و هذا القسم من الرضا هو رضاء المتقين، و مثاله مثال من يلتمس الفصد و الحجامة من الطّبيب العالم بتفاصيل امراضه و ما فيه صلاحه فانّه يدرك ألم ذلك الفعل الا انّه راض به و راغب فيه و متقلّد من الفصاد منّة عظيمة، و مثله من يسافر في طلب الربح فانّه يدرك مشقة السفر و لكن حبه لثمرة سفره طيّب عنده مشقة السفر و جعله راضيا به، و مهما اصابه بليّة من اللّه تعالى و كان له يقين بأنّ ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته رضي به و رغب فيه و أحبّه و شكر اللّه عليه.
الثانية ان يدرك الألم كذلك و لكنه احب لكونه مراد محبوبه و رضاه، فان غلب عليه الحب كان جميع مراده و هواه ما فيه رضاء محبوبه، الثالثة ان يبطل احساسه بالألم حتى يجري عليه المؤلم و لا يحس و يصيبه جراحة و لا يدرك ألمه، مثاله الرّجل المحارب فانّه في حال غضبه او حال