الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٤٠
اللّذيذ و الغضب للهرب من المؤلم، و كان الصوم صبرا من مقتضى الشهوة فقط و هو شهوة البطن و الفرج دون مقتضى الغضب، قال ٦ بهذا الأعتبار الصوم لأنّ كمال الصّبر بالصّبر عن دواعي الشهوة و دواعي الغضب جميعا فيكون الصّوم بهذا الأعتبار ربع الأيمان.
و اعلم ان محامد الأخلاق كلها ترجع الى الصبر لكن له اسم بكل واحد من موارده، فان كان صبرا عن شهوة البطن و الفرج سمّي عفة، و ان كان على احتمال مكروه اختلف اساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر، فان كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر و يضاد الجزع، و ان كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس و يضادّه البطر، و ان كان في حرب و مقاتلة سمي شجاعة و يضاده الجبن، و ان كان في كظم الغيظ و الغضب سمي حلما و يضاده السفه، و ان كان في نائبة من نوائب الزمان سمي سعة الصدر و يضاده الضّجر و التبرم و ضيق الصدر، و ان كان في اخفاء كلام سمي كتمان السّر، و ان كان عن فضول العيش سمي زهدا و يضاده الحرص، و ان كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة و يضاده الشّره، و من جهة دخول هذه المحاسن في الصبر لما سأل ٦ و سلّم عن الأيمان قال هو الصبر لأنه اكثر اعماله و اعزّها كما قال الحجّ عرفة، و قد جمع اللّه ذلك فسمي الكل صبرا فقال تعالى و الصابرين في البأساء أي المصيبة و الضراء أي الفقر، و حين البأس أي المحاربة، اولئك الذين صدقولا و اولئك هم المتقون، و بعضهم ظن انّ هذه احوال مختلفة في ذواتها و حقائقها نظرا الى تعدد الأسامي و الصواب ما عرفت.
و اما الموارد المحتاجة الى الصبر فأنواع، اولها ما يوافق الهوى و هو الصحة و السلامة و المال و الجاه و كثرة العشيرة و اتّساع الأسباب و جميع ملاذّ الدنيا و ما أحوج العبد الى الصبر عن هذه الأمور فانّه ان لم يضبط نفسه عن الركون اليها الإنهماك في الملاذ المباحة أخرجه ذلك الى البطر و الطّغيان فانّ الأنسان ليطغى ان رآه استغنى و الرجل كل الرجل من يصبر على العافية، و ثانيها الطّاعة و الصبر عليها شديد لأنّ النّفس بطبعها تنفر عن العبوديّة و تشتهي الربوبيّة، و لذلك قيل ما من نفس الّا و هي مضمرة ما أظهره فرعون من قوله انا ربكم الأعلى و لكن فرعون وجد له مجالا فأظهر اذ استخفّ قومه فأطاعوه، و ما من أحد الّا و هو يدّعى ذلك مع عبده و خادمه و نحوهما و ان كان ممتنعا من اظهاره فانّ امتعاظه و غيضه عند تقصيرهم في خدمته و استبعاده ذلك ليس يصدر الّا من اظهار الكبر و منازعة الربوبيّة في رداء الكبرياء، فان العبوديّة شاقّة على النفس مطلقا.