الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٣٧
السائل كان جبرئيل ٧ و روي ان ابا بكر قال تصدّقت بخواتيم كثيرة و انا في الصلاة لينزل فيّ ما نزل في علي بن ابي طالب فلم ينزل و لقد احسن ابن الجوزي في وصف هذا الحال منه ٧:
|
يسقي و يشرب لا تلهيه سكرته |
عن النديم و لا يلهو عن الكأس |
|
|
اطاعه سكره حتى تمكن من |
فعل الصحاة فهذا اعظم الناس |
|
و تقدم الأشارة الى هذه فان قلت اذا كان هذا الحبيب سبحانه احسن الأحبّاء و أبقاها أقبلها و أزينها و أملحها و أكثرها ميلا الى العاشقين فلم هجرته العشاق؟ و لم اقبلوا على الفرار منه؟ و على ارتكاب خلاف اقواله[١] قلت سببه ان القلوب التي هي معدن هذا السر العظيم قد ابتليت بأعظم الأمراض، و المريض اذا استولى عليه الألم يجد في ذوقة الحلو مرا و الطيب خبيثا و لا يجد الشيء على حاله الا اذا صحّ من ذلك الوجع.
ثم اعلم ان امراض القلب كثيرة و انواعها مختلفة كأمراض البدن بل ازيد و كل مرض يحتاج الى دواء و ليس كل مريض الأحتماء من شيء و لا ينفعه كل دواء، بل لكل علة خاصة علم خاص و علاج خاص و وزانة من الدين ان كل عبد فليس يبتلى بكل شهوة و ارتكاب كل ذنب بل لكل مؤمن ذنب مخصوص او ذنوب مخصوصة و انما حاجته في الحال مرهقة الى العلم بانها ذنوب ثم الى العلم بآفاتها و قد ضررها في الدين ثم الى العلم بكيفية التوصل الى الصبر عنها ثم الى العلم بكيفية تكفير ما سبق منها فهذه علوم مخصوصة اختص بها اطباء الدين و هم العلماء ورثة الأنبياء فالعاصي ان علم عصيانه فعليه طلب العلاج من الطبيب و هو العالم، و ان كان لا يدري ان ما يرتكبه ذنب فعلى العالم ان يعرفه ذلك، و لذلك وجب ان يتكفّل كل عالم باقليم او بلدة او محلة او مشهد فيعلم اهلها دينهم و يميز ما يضرهم عما ينفعهم و ما يشقيهم عما يسعدهم و لا ينبغي ان يصبر الى ان يسأل منه بل ينبغي ان يتصدى لدعوة الناس الى نفسه فانهم ورثة الأنبياء، و الأنبياء عليهم السّلام ما تركوا الناس على جهلهم بل كانوا ينادون في مجامعهم و يدورون في ابوابهم بالأبتداء و يطلبون واحدا واحد للإرشاد فإن مرضى القلوب لا يعرفون مرضهم كما ان الذي ظهر على وجهه برص و لا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره و هذا فرض على العلماء كافة و على السلاطين ان يرتبوا في كل قرية و كل محلة فقيها متبينا يعلم الناس دينهم فانّ الخلق لا يولدون الا جهّالا فلا بد من تبليغ الدعوة اليهم في الأصل و الفرع.
[١] و في الحديث ان اللّه تعالى اذا احب عبدا القى محبته الى الماء فلا يشربه احد الا احبه و اذا ابغض عبدا القى بغضه في الماء فلا يشربه احد الا ابغضه منه عفى عنه.