الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٣١
وا غفلتاه من السّكران ثم أقبل هائما على وجهه، فقام زكريا ٧ من مجلسه فدخل على ام يحيى فقال يا ام يحيى فاطلبي يحيى فانّي اخاف ان لا تراه الا و قد ذاق الموت، فقامت و خرجت في طلبه حتى مرّت بفتيان من بني اسرائيل، فقالوا لها يا ام يحيى اين تريدين؟ قالت اريد ان اطلب ولدي يحيى ذكرت النّار عنده فهام على وجهه، فمضت ام يحيى و الفتية معها حتى مرت براعي غنم، فقالت له يا راعي هل رأيت شابا من صفة كذا و كذا، فقال لها لعلك تطلبين يحيى بن زكريا، قالت نعم ولدي ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه، فقال اني تركته السّاعة على عقبة ثنية كذا و كذا ناقعا قدميه في الماء رافعا بصره الى السماء يقول و عزّتك يا مولاي لاذقت بارد الشّراب حتى انظر الى منزلتي منك، فأقبلت امه فلمّا رأته أمه دنت منه فأخذت برأسه و وضعته بين ثدييها و هي تناشده باللّه ان ينطلق معها الى المنزل، فانطلق معها حتى أتى المنزل.
فقالت له ام يحيى هل لك ان تخلع مدرعة الشّعر و تلبس مدرعة الصّوف فانّه ألين ففعل و طبخت له عدسا فأكل و استلقى فنام فذهب به النوم فلم يقم صلاته، فنودي في منامه يا يحيى بن زكريا أردت دارا خيرا من داري و جوارا خيرا من جواري، فاستيقظ فقام، فقال يا رب أقلني عثرتي، الهي فو عزّتك لا أستظل بظل سوى بيت المقدس، و قال لأمه ناوليني مدرعة الشّعر، فتقدمت امه فدفعت اليه المدرعة و تعلّقت به، فقال لها زكريا يا ام يحيى دعيه فانّ ولدي قد كشف له عن قناع قلبه و لن ينتفع بالعيش، فقام يحيى فلبس مدرعته و وضع البرنس على رأسه ثم أتى بيت المقدس فجعل يعبد اللّه عز و جل مع الأحبار حتى كان من امره ما كان.
اقول فهذا حال يحيى لأنّه كان محبا، و في الرواية ان عيسى ٧ مرّ بثلاثة نفرات قد نحلت ابدانهم و تغيّرت ألوانهم فقال لهم ما لذي بلغ بكم؟ قالوا الخوف من النار، فقال حقّ على اللّه ان يؤمن الخائف، ثم جاوزهم الى ثلاثة آخرين فاذا أشدّ نحولا و تغيّرا كان على وجوههم المرآى من النور، فقال ما الذي بلغ بكم؟ قالوا نحب اللّه عزّ و جل، فقال انتم المقرّبون انتم المقرّبون، كيف لا و هذا مشاهد في العالم المجازي، فلقد شاهدنا من خلّى قلبه عن حب اللّه فأذاقه حب غيره نحيلا ضعيفا عديم القوة.
و قد بالغ الشعراء كل مبالغة في وصف نحول العاشق، فقال بعضهم:
|
و لو انّني علّقت في رجل نملة |
لسارت و لم تعلم بأني علقت |
|
|
و لو نمت في عين البعوض معارضا |
لما علمت في أي زاوية نمت |
|
|
و لو وضعوني وسط حبة خردل |
لبانت خوافيها الجميع و لا بنت |
|
و قال ابو الطيب: