الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٢٨
الثاني ان يفرح به لا من حيث انّه فرس بل من حيث يستدلّ به على عناية الملك و شفقته حتى لو أعطاها غير الملك لم يفرح بها أصلا لعدم احتياجه الى الفرس.
الثالث ان يفرح به و يستلذ به ليركب و يخرج في خدمة الملك و يتحمل مشقة السّفر لينال بخدمته رتبة القرب منه فيرتقي الى درجة الوزراء، ثم انه ليس يريد من الوزارة نفس الوزارة بل مشاهدة الملك و القرب منه، حتى لو خير بين القرب دون الوزارة و بين الوزارة دون القرب لأختار القرب، فهذه ثلاث درجات، فالأولى درجة الجهّال و اكثر الناس الذين يفرحون بالأموال و النّعم لكونها أموالا، و لا فرق عندهم في تحصيلها من يد نبي من الأنبياء او مجوسيّ من المجوس، و امّا الدرجة الثانية فهي درجة الأحباب و الأخلّاء الذين يفرحون بنعم اللّه و لذات الدنيا من حيث انّه يقدر بها على التوصّل الى القرب منه و النزول في جواره.
و قد روي ان واحدا من الصّحابة دخل على النبي ٦ فاذا هو شاد حجرا على بطنه من الجوع، و هو مستلق على قفاه لا يقدر على الجلوس و هو يقول: اللهم انّي اعوذ بك من نوم يضجع على الفراش و يشغلني عن طاعتك فهم عليهم السّلام انّما يريدون الأكل ليقووا بها على الطاعة و الخدمة لمحبوبهم.
و اما المرتبة الخامسة و هي الوله و الهيام و ان لا يكون في القلب و الخيال سوى ذلك المشوق فهذه آخر المراتب، و هذه آخر مراتب الخليل ٧ كما قال ٧ انّما سمي ابراهيم لأنّه برّ فهام، يعني انّه هام في الحب حتى انّه لم يكن له شغل و لم يكن في قلبه احد سوى ذلك الحبيب، و هذه درجة النبي ٦ و أهل بيته عليهم السّلام و هي التي أشار علي بن الحسين عليهما السّلام الى طلبها بقوله و فرّغ قلبي لمحبتك، يعني يكون فارغا من محبة كل احد و يكون مقصورا عليك وحدك، قال بعضهم رأيت امرأة مستقبلة البيت في غاية الضرّ و النحافة رافعة يديها تدعو، فقلت لها هل من حاجة؟ قالت حاجتي ان تنادي بالموقف بقولي:
|
تزود كل الناس زادا يقيهم |
و ما التي زاد و السّلام على نفسي |
|
ففعلت فاذا بفتى منهوك، فقال انا الزاد فمضيت معه اليها فما زادت على النظر و البكاء، ثم قالت له انصرف مصاحبا، فقلت ما علمت ان لقائكما يقتصر على هذا، فقالت امسك اما علمت انّ ركوب العار و دخول النّار شديد.
قيل لإعرابي ما بلغ من حبك لفلانة؟ قال اني لأذكرها و بيني و بينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها رائحة المسك، و سأل الرشيد رجلا ما اشد ما يكون من العشق قال ان يكون ريح البصل منه احبّ من ريح المسك من غيره.