الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٢
العاشر اذا سمع احد مغتابا لآخر و هو لا يعلم استحقاق المقول عنه فيحمل فعل القائل على الصّحة ما لم يعلم فساده لأنّ ردعه يستلزم انتهاك حرمته و هو ان احد المحرمين و الأولى التّنبيه على ذلك الى ان يتحقّق المحتاج منه لعموم الأدلّة و ترك الأستفصال فيها و هو دليل ارادة العموم حذرا من الأغراء بالجهل، و لأنّ ذلك لو تمّ لتمشى فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة الى السامع لإحتمال إطّلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله و هو يهدم قاعدة النبي عن الغيبة، و هذا الفرد مستثنى من جهة سماع الغيبة، و بالجملة فأمر الغيبة في غاية الأشكال و على اللّه الأتكال، بقي الكلام في كفارة الغيبة.
اعلم ان الواجب على المغتاب ان يندم و يتوب و يتأسف على افعل ليخرج من حق اللّه تعالى ثم يستحلّ المغتاب ليحلّه فيخرج عن مظلمته، و ينبغي ان يستحلّه و هو حزين نادم و الّا فالمرائي قد يطلب المحالة فيكون عليه ذنب آخر، و قد ورد في كفّارتها حديثان احدهما قوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم كفّارة من أغتبته ان تستغفر له، و في حديث آخر كلّما ذكرته، و معنى قوله كلّما ذكرته يعني كلما ذكرته على طريق الغيبة، او كلّما عنّ في خاطرك او جرى ذكره على لسانك بعد المحالة الأولى، الثاني قوله ٦ من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض او مال فليستحللها (فليحتلّها خ) منه قبل ان يأتي يوم ليس هناك دينار و لا درهم يؤخذ من حسناته فان لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فيزيد على سيّئاته، و جمع بين الحديثين شيخنا الشهيد الثاني قدّس اللّه روحه يحمل الأستغفار على من لم يبلغ غيبة المغتاب فينبغي الأقتصار على الدّعاء له و الأستغفار لأنّ في محالته إثارة للفتنة و جلبا للضغائن، و في حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول اليه لموت او غيبة، و حمل المحالة على من يمكن التّوصّل اليه مع بلوغه الغيبة، أقول و يمكن الجمع بينهما بوجهين.
احدهما ان الأستغفار له كفّارة معجّلة تكون مقارنة للغيبة و المحالة متأخّرة عنه فيجب عليه المبادرة بذاك لعدم توقّفه على التّمكن و عدمه و المحالة اذا تمكن بعد هذا فيكون الواجب اثنين لا واحدا كما هو مذكور في القول الأول.
الثاني حمل الأستغفار على الأستحباب، و الواجب انما المحالة لا غير، و اذا جاء الى المغتاب فينبغي ان لا يظهر له الكلام الذي اغتابه خوفا من اثارة الشحناء و تجديد العداوة، بل يقول له يا أخي لك عليّ حقوق عرضية و أريد تحالني منها و نحو ذلك من العبارات المجملة، و يستحب للمتعذر اليه قبول العذر و المحالة استحبابا مؤكّدا، قال اللّه تعالى خُذِ الْعَفْوَ الآية، فقال رسول اللّه ٦ و سلّم يا جبرئيل ما هذا العفو؟ فقال ان اللّه يأمرك ان تعفو عمّن ظلمك، و تصل من قطعك، و تعطي من حرمك.