الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١١٥
المرتبة عن قواها الشهوانية و عن النوم فانما جاء من فرط نار المحبة الكامنة في القلب الشّاغلة له عمّا عداه، حتى انّه في هذه الحالة ربّما اشتغل قلبه و حسّه عن آلام البدن و اوجاعها.
حكى شيخنا البهائي طاب ثراه في حاشية العالية على تفسير القاضي انّ رجلا يهوديا كان عنده جارية و كان مفرطا في حبها و متعشقا لها، فمرضت يوما و احتاجت الى طبخ طعام لمكان المرض، فوضع القدر فلما قرب اشتواء الطعام احتاج الى سوطه، فأخذ المغرفة و شرع يسوطه فكان هو يسوط الطعام و الجارية تأن، فلمّا سمع انينها اشتغل قلبه بها فوقعت المغرفة من يده و صار يسوط القدر بيده و لم يحسن به حتى تساقط لحم يده فلما سكنت من الأنين و رجع اليه عقله رأى انه كان يسوط القدر بيده، و مثل هذه الحالة قد كانت في الحب الحقيقي، و ذلك ان امير المؤمنين ٧ لمّا كانت النصال تلج في بدنه من الحروب كان الجرّاح يخرجها منه اذا اشتغل بالصلاة لعدم احساسه بها ذلك الوقت لإشتغال قلبه بعالم القدس و مالك (ملك خ) الجبروت[١].
و رأيت في عشر السبعين بعد الألف لمّا كنت بشيراز رجلا عريانا و الناس خلفه في حوش عمارة السيد احمد بن موسى الكاظم ٧، فرأيته في كل واحدة من يديه سكينا و هو يضرب بهما صدره و يقطع بهما لحم بدنه و دماؤه تجري، فسألت عن حاله فقالوا كان يهوى شخصا و قد أشخصه اهله الى بعض البلدان فما يدري اين ذهب، و هكذا كانت عشّاق اللّه سبحانه، فقد ورد في الأخبار ان العباد من بني اسرائيل اذا بلغوا في العبادة عمد العابد منهم الى سلسلة من الحديد و أخرجها من ترقوته و شدّ بها الى احد اساطين المسجد لئلا يخرج من منزل حبيبه الى غيره، و في هذه المرتبة ايضا من جهة الف النفس بصورة المحبوب قد يرى غيره بصورته لأنّه لا صورة في خياله غير صورة محبوبه.
حكى لي اوثق مشايخي باصفهان ليلة من الليالي انّه قد كان له صديق و قد كان يهوى صاحبا له، فاتفق انّ اهله ارسلوه ببضاعة الى بلدة ببهبهان، فلمّا زمضت له ايّام له لم يملك الصبر عنه فسافر الى تلك البلدة، فحكي انّه لما دخل بهبهان كانت ليلة الجمعة و كان الناس يخرجون الى قبور موتاهم لزيارتهم، قال فرأيت مجمعا من الناس فجلست معهم حتى أسأل عن احوال ذلك الصاحب و أهتدي الى منزله، ثم أخذت في تخيّل صورته فنظرت الى يدي و اذا هي بصورة يده، و الى اعضائي كلها فما رأيت شيئا من اعضائي و جوارحي الّا و هي على صورة اعضائه فغرقت في بحر التعجب، فلما دخلت البلد و سألت عنه قيل لي في مجمع من الناس مجتمعين في بيت رجل للضيافة فدخلت عليهم و نظرت اليه فرأيته في تلك الصورة التي رأيت نفسي عليها، فلما شاهدت
[١] هذه القضية مشهورة بين الشيعة في حق امير المؤمنين ٧ سلام اللّه عليه كما صرح بشهرتها بينهم العلامة القاشاني( ره) في كتابه النفيس المحجة البيضاء في القسم المخطوط منه الموجود في مكتبتنا.