الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١١٣
الطعام و الشّراب لعدم الشهوة و من النوم لإستضرار الدماغ، و خامسها الوله و هو ان لا يوجد في قلب العاشق غير صورة المعشوق و لا ترضى نفسه الا به.
امّا المرتبة الأولى فأهلها كثيرون و هي أكثر، و امّا الدرجة الثانية فهي مشتملة على الأئتلاف الروحاني، و قد تقدم في انوار الملكوت انّ اللّه سبحانه لمّا خلق الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة أوقعت بينها الموافقة و المنافرة في عالم الأرواح، و لمّا قدمت الى هذا العالم و حلت منازل الأبدان و اشتغلت بتعمير هذا المنزل نسيت ما وقع منها في قديم الزمان و سوالف الأيام فلا تذكر محبوبها من غيره لكنها اذا رأته في هذا العالم انعكست اشعتها العلميّة و تحرّكت نحو تلك الألفة القديمة و مالت اليه، حتى ان الرائي اذا رأى رجلا لم يره في هذا العالم أصلا يميل اليه من ساءته و يظن انّه رآه و يقول اين رأيت هذا الرجل و هو لم يره الّا في عالم الأرواح، و هذا هو الذي اراده ٦ عن قوله الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر اختلف.
و هذه المرتبة ان وقعت في محبّات الناس، او محبات أهل اللّه يرى الأنسان نفسه غير مختار في تحصيلها و ذلك انّها تحصّل نفسها قبل تحصيلك اياها، نعم زيادتها قوّة و ضعفا ربما كان للإنسان فيه اختيار بسبب طول المعاشرة و الأطلاع على ما يوجب مزيد الألفة و الوداد.
و من هذه محبّة الأمامية لأهل البيت عليهم السّلام فانّ الأنسان اذا اعطى الأنصاف من نفسه و فكّر علم انّ حبهم ممّا تداخل القلوب و العروق، و امتزج باللحم حتّى لم يبق فيه اختيار لأحد منهم، فانّك ترى الطفل اذا نشأ و عرف نفسه ألهم من جانب اللّه سبحانه الميل الى اهل البيت و حبّهم و لعن مبغضيهم و ان لم يذكر له ابوه و امه مثل هذا فان قلت لا يثاب المرء الا على ما كان له فيه اختيار، و ذلك انّ حبهم مأمور به في قوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فيكون داخلا في الأحكام، و قد تقرر انّ ما لم يدخل تحت الأختيار من الأفعال الكسبية لا يكون داخلا في الأحكام الخمسة و لا يثاب عليه فاعله، قلت الجواب عن هذه الشّبهة من وجوه:
الأول بناء على ما عرفت من قدم التخالف و التوالف و انّه كان في عالم الأرواح و كان هناك كمال الأختيار، و قد اشتمل ذلك العالم على انواع التكاليف من دخول نار اوقدها اللّه سبحانه، و امر الفريقين بدخولها فدخلها أهل اليمين و هم نحن، فصارت عليهم بردا و سلاما، و أبى أهل الشمال و هم مخالفونا و قالوا لا طاقة لنا بدخولها فقال تعالى الى ناري و لا ابالي، و حينئذ فحبّنا لهم عليهم السّلام في هذا العالم تعارف و تجديد لما وقع في العالم الأول و هو عالم الأختيار فيرجع الى الأختيار.