الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٠٩
شرّه، قال ابن عباس ويل للعالم من الأتباع يزل زلّة فيرجع عنها و يحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق.
بقي الكلام في موجبات الأصرار على الذنوب و في مزيلاته اعلم انّ موجباته اربعة، اولها انّ العقاب الموعود غائب ليس بحاضر و النّفس جبلت على عدم التأثر بالآجل و هذا لا يكون الا من ضعف الأيمان، الثاني انّ اللذات الباعثة على الذنوب لذاتها ناجزة و هي آخذة بالمخنق و قد قوى و استولى بسبب الأعتياد، و العادة طبيعة خامسة، و التّروع عن العاجل الى الآجل شديد على النّفس كما قال سبحانه كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ.
و في الرواية انه تعالى خلق النّار فقال لجبرئيل اذهب فانظر اليها، فذهب فنظر اليها فقال و عزّتك خشيت الا يبقى احد الا دخلها، و خلق الجنّة فقال لجبرئيل اذهب فانظر اليها، فذهب فنظر اليها فقال و عزتك لا يسمع بها احد الّا دخلها، فحفّها بالمكاره فقال لجبرئيل اذهب فانظر اليها، فذهب فنظر اليها فقال و عزّتك خشيت ان لا يدخلها احد، فاذن كون الشهوة مرهقة في الحال و كون العقاب متأخرا سببان في الأسترسال.
الثالث انّه ما من مؤمن مذنب الا و الغالب على عزمه التوبة و تكقير السيئات بالحسنات و طول الأمل غالب على الطّباع فلا يزال يسوّف التّوبة و التكفير فمن حيث رجائه توفيق التّوبة ربّما يقدم عليه مع الأيمان، الرابع انّ المؤمن يعتقد انّ عفو اللّه تعالى مباح للمذنبين فيذنب اعتمادا عليه.
و امّا علاج هذه الأمور الأربعة و مزيلها فهو الفكر في كل واحد منها، امّا الأول فبأن تتفكر و تقول انّ ما هو آت يأتي و ما أقرب غدا للناظرين و الموت اقرب منه، و المتأخر اذا وقع صار ناجزا، و يفكّر انّه في الدنيا يركب البحار و يقطع القفار لأجل الربح الذي يظن حصوله و احتياجه اليه، و لو اخبره طبيب نصراني بضرر الماء البارد لتركه خوفا من الموت مع انّ ألمه لحظة واحدة فكيف لا يقلع عن الذنب باخبار الأنبياء عليهم السّلام انّ ألمه يبقى أبد الآباد، و كل يوم من الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من ايّام الدنيا و بهذا التّفكر يعالج اللّذة الغالبة عليه و يقول اذا لم أقدر على ترك هذه اللّذات الفانية في هذه الأيام القلائل فكيف اقدر على ذلك ابد الآباد، و اذا كنت لا اقدر على مفارقة زخارف الدنيا مع كدورتها فكيف اصبر على مفارقة النّعيم.
و اما تسويف التوبة فعلاجه بالفكر في انّ اكثر صياح اهل النار من التّسويف لأنّ المسوف يبني الأمر على ما ليس اليه و هو البقاء فلعلّه لا يبقى، و ان بقي فلا يقدر عليه في هذا الحال، فليت شعري فهل عجز في الحال الا لغلبة الشهوة و الشهوة لا تفارقه بل تقوى كل يوم و هو يضعف، فاذا كان وقت قوته و ضعفها لا يقدر عليها فكيف يقدر عليها اذا انعكس عليه الأمر فيكون مثاله مثل