نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ٢٢٣ - التحليل التأويليّ الجماليّ لبِنية الإيجاز في كتابهِ عليه السلام إلى أشراف البصرة
وَغَفَرَ لَنَاْ وَلَهُمْ )، أكّد هذا الدعاء المضغوط دلالياً، ولغويّاً، الأفعال الماضية، لِيُنَبِّهَ الإنسانية عَبْر العصور إلى الذي (يحسنُ، ويصلحُ، ويتحرَّى الحقّ)، يشمله الله برحمته، وغفرانه، ولينبئ بهِ بأنَّ الله يرحم من ينصر دينه، ويُحسن سريرته، ويتوخّى الحقّ، فسيستغفر له أيضاً؛ والدرس الأخلاقيّ الآخر الذي يقدّمه لهم (عليه السلام)، هو الصفح، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والرحمة، والعطف، وهداية الضال، إلى سبعين محملاً وأكثر، وفي اللحظة نفسها يريد أنْ يطمئن أصحابه بخصوص صدورهِ منه لا من غيرهِ، بقرينة ضمنيّة ذاتية، هي أنّ الآخر لا يمتلك لياقة هذا الأسلوب، بل شيمته التهديد والقهر والظلم والجور !.
وأنّ الدعاء كوّنَهُ الإمام بشفرة الإشارة لوضعه لفظ الجلالة (الله)، بين فعل الرحمة، والغفران، فالأول: قرن الماضين بالضمير المتصل (هم)، وفي الثاني: وصله بذكر ضميرٍ عائدٍ إليهم( لنا)، وأجرى انزياحاً أَخَّر بموجبهِ شِبه الجملة ( لهم)؛ لبلاغته في إظهار رحمته للعالمين، وتخصيص غفرانه له وحده، لفرادة المحسنين !، ثمّ لو نظرنا إلى الضمائر فيها، سنجدُ توظيفَها بنسقٍ جمعيٍّ متناسبٍ، ومطلب سياق دلالة المعنى، بين عالمية رحمتهِ، ومضمونِ غرضِ أصلِ بِنيةِ كتابهِ، في تكاتفِ نصرةِ حقِّ منبع الرحمةِ نفسها، إذ القصاص حياةٌ !، من هنا جاء بهذا النسق الدعائيّ، ليعدّ النفوس، ويجعلها تنكر أنانيّة ذاتها، تجاه مصلحة الأُمة، والتفكير باسم الجماعة.
وهذا الأسلوب نابع من نسق المنظومة القرآنية بما فيه أسلوب الاِلتفات،