نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ٢٢٢ - التحليل التأويليّ الجماليّ لبِنية الإيجاز في كتابهِ عليه السلام إلى أشراف البصرة
الماضين (أحسنوا و أصلحوا و تحرَّوا)، لأجل (الحقِّ)؛ بدلالة الفعل (تحرَّوا) إلى التّوخِّي والعَمَد مع تجاوب صوت (الراء) المضعّفة فيه عمق المعنى كثيراً؛ أي : توخَّوا وعَمَدُوا ([٣٠٤])، تجاه الحقّ بجدّية العمل والتضحية في سبيلهِ.
وهنا إشارة أُخرى من الإمام إلى أصحابه نحو القرآن، لاِستبيانها في قوله تعالى:
)وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا( ([٣٠٥]).
فكثّف هذه الآيات الثلاث في فعل واحد (تحرَّوا)، الذي جاء في القرآن مجيئاً يتيماً لمرَّة فقط.
وأنّ هذه الآيات قد جمعت الدلالة الأُم بركائزها كلِّها، من حيث (السَّببُ)، و(المُسببُ)، و(النتيجة)، والمتلقي إنْ تأمّل كاشفاً !، سيلحظ مطلب الإمام جليَّاً. إذْ إنَّه وضعه أخيراً مسنداً إليه (الحقّ)، بحسب تتابع تراتب جمل الاِلتفات الجمعيّ السابقة، ليكمّل بهذا ! الصورة التي تضمّنتها هذه الآيات الكريمات، تهيئة أذهان أصحابهِ للدخول في بوتقة طلب الغرض المركزيّ؛ بأسلوب الدعاء المؤكّد ما قبله، والخاتِم جزءَ أوّلِ كتابهِ، وهو: ( فَرَحِمَهُمُ اللهُ
[٣٠٤] - ينظر: لسان العرب ؛ مادة (حرى).
[٣٠٥] - الجنّ: ١٤- ١٥- ١٦ .