نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ١٣٠ - المبحث الثاني جمالية توظيف المفردات في نثر الإمام الحُسَين عليه السلام
كلّ مكانٍ وزمانٍ، وفي أزمنة عصور الإنسانية كافة، بدءاً بهؤلاء الَّذينَ أصبحوا (أَذَلَّ) من (فِرَاْمِ) الأَمَةِ!، ومفردة (فِرَاْمِ) هي خرقةٌ تضعها النساء في أيّام حيضهن، يستعملها العرب كناية عن الَّذينَ يوصمون ويوصفون بأسفل دركات (الذِّلَّة) وأدناها خسةً! حتى صار قولهم : " أذلّ مِن فَرْمِ الأَمَةِ "، بمنزلة المثل السائر ([١٦٤])، لا يصل إلى مستوى دركتها شيء، ونهايتها ترمى في خانة الزبالة والنفايات بما تحمل من دمٍ فاسد!، و حتى المرأة نفسها تشمئزّ منها ! فكيف إذاً بنفور القوم الآخرين منها؟! وعليه فهذا هو حال مَن حاربوا أو يحاربون الإمام ستكون عاقبتهم أذلّ من (الفِرَاْم).
من هنا تبدو جمالية أدبية توظيف مفردة (فِرَاْمِ) الأَمَةِ في استشراف نصّه، إذْ تظهر من خلال استعارة الإمام إيّاها، مكنّياً بها حال القوم ومن يقومون باتباعهم فكلاهما من شرّ الأنام، ولم يصرّح مباشرة بتوظيف اسمها (الخرقة) في خطابه لهم، لأنّه أراد مخاطبتهم ومحاورتهم بالخُلُق والأدب اللَّذينِ هو عليهما كليهما من جانب، وأنّه يعلم أنّ الكناية أبلغ في إيصال الفكرة من التصريح، وفي البرهة نفسها أراد تكليمهم بلغتهم ومنظومة ثقافتهم السائدة في بيئتهم آنذاك من جانب ثانٍ، وهذان الجانبان يحقّقان الوقع الأكبر في نفوس القوم، وفي اللحظة نفسها يبرزان صورة انتقاء الجمالية واختيارها، في توظيف أدبية المفردة كاملة !.
[١٦٤]- ينظر: أساس البلاغة: ٢/ ٢١، وينظر: لسان العرب: مادة (فرم).