نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ٢١٩ - التحليل التأويليّ الجماليّ لبِنية الإيجاز في كتابهِ عليه السلام إلى أشراف البصرة
بـ(مَنْ) العاملة التي وقعت استفهاماً إنكاريّاً عليه، لينشط تفكير قارئه، ويكسر الجمود عنده متأمّلاً، مَنْ هذا الذي لم يصرح الإمام باسمهِ؟، لحتمية الظرف المُكَتَّم !، ولم يقرن ذكر المقام بعده ؟، واستعاض عنه بالضمير الظاهر، لأنّه أعرف المعارف، وأقواها حجّة في هزِّ نفوس قرائه، وشدِّها، وإلفاتها.
زيادة على فائدة هذه الوظيفة في دلالتها النحوية، فهناك أُخرى لا تقل عنها أهميّة، وهي دلالة الحصر التي أبانها الإمام، من خلال وضعه الفعل (تَوَلّى) بين الاِستفهام، والضمير الذي يأخذ خَلَد المتلقي باحثاً عن متعلّقهِ، أي:(المقام المحمّدي)، ويعدّ هذا الأسلوب من أعلى درجات البلاغة، وأجملها في اشتغال الخطاب الحِجاجيّ ([٢٩٩])، لما يمارسه من وظيفة إقناعية، يكشف في الوقت نفسه عن الحالة النفسية، والصدمة الفكرية([٣٠٠])، والوضع الاجتماعي المتأزم، الذي مرَّ الإمام بهِ باتساع رقعة أهل الباطل، وهيمنتهم المستبدة الظالمة على كلِّ ما هو إلهيّ، وإنسانيّ، وعلى مقدرات المسلمين.
وهذا الحصر للفعل في الوقت نفسه، فيه إشارة لطيفة إلى آيتين في نصِّ القرآن الكريم، هما قوله تعالى:
)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ
[٢٩٩] - ينظر: النص الحجاجيّ العربيّ - دراسة في وسائل الإقناع - (بحث): ٥٦.
[٣٠٠] - ينظر: النقد الجماليّ في النقد الألسنيّ (بحث): ٢٠٠.