نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ٢١٢ - التحليل التأويليّ الجماليّ لبِنية الإيجاز في كتابهِ عليه السلام إلى أشراف البصرة
دلالات ألفاظ الجملتين جميعها إلى (بمقامه)، ومِنْ ثَمَّ التبادل الإشاري مع شبه الجملة (علينا)، العائد إلى (أهل البيت)، نجد الإمام وضعهما في مركز تراتبي معادل متوسط الجملتين، ففي الأُولى؛ بين التكرار اللفظي كما هو واضح، وفي الثانية؛ بين الفعل وفاعله، وكلاهما جاء بهما (شبه جملة)، والتناسب واقع كما نرى بمستوياته كلِّها.
ثمّ إنَّه ذكر (القوم) الذي (استأثر)، ولم يذكر اسماً بعينه، لعدم أهمية ذكره بقدر ما يبيّن الحقّ المغتصب، والاِنحراف السائد، وبسبب ضياع الحقّ نفسه على أيدي هؤلاء القوم، ولضرورة السرية التي جعلت الكتمان شيئاً مهماً في أثناء مباشرة الإمام كتابة نصّ رسالته، وفي الوقت نفسه أنَّ مفردة القوم تختص بـ(الرجال) من دون (النساء)، وفي عصر إمامته أنَّ هذه الدلالة واضحة عند أصحابه، لأنّهم يعلمون أيَّ قوم قصدهم ويعنيهم ويشير إليهم، ويحتمل أن يكون مقصده إلى القومِ على الإطلاق باعتبار المشاركة في أخذ حقّ المقام من (أهل البيت) عن طريق مساعدة بني أُميّة، والرِّضا بظلمهم.
وبعد هذا يأتي كلامه ليعبّر عن النتائج التي لا يحمد عقباها، متجسّدة بالاِنحراف الشامل في مفاصل الأُمّة، التي أضحت تأكل الأخضر، واليابس، وتقلب الباطل حقّاً، وشرعاً، والعكس صحيح، وراحت تنهش جسد الأمّة وروحها، وهذا كلُّه سببه أنّ المقام صار إلى غير أهله، ثمّ قال: (فَرَضِيْنَا وَكَرِهْنَا الفُرْقَةَ وَأَحْبَبْنَا العَافِيةَ)، فالجمل الفعلية المتعاطفة على بعضها