نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ٢٧٠ - المبحث الثاني الفاصلة المتعدّدة / المتنوّعة
النّص كلّه، ومتوقفة عليها بدلالتها في تحقيق الاِنسجام الدلاليّ العام أيضاً.
ولذلك أتتِ الثنائية بعدها دالة عليها، من حيث إنّ المؤمن عَبْر عصمة الله، ومرآة قوله، زوّدته (نور الله)، الذي أصبح يميز به في النظر بين الحقّ، ونعت أهله، وهم (المُؤْمِنُونَ)، وبين تحديده الطغاة الظلمة، وهم (المُتَجَبِّرُونَ)، فقال الإمام: ( فَمَرَّةً يَنْظُرُ فِي نَعْتِ المُؤْمِنِينَ، وَتَارَةً يَنْظُرُ فِي وَصْفِ المُتَجَبِّرِينَ )، لذا نلحظ أنّ هذه الثنائية بصوت حرف رويها (النون)، حملت تضاد التقابل بين (نَعْتِ المُؤْمِنِينَ)، و(وَصْفِ المُتَجَبِّرِينَ) وحصرتهما. لتدل على نظر المؤمن الحديد، والدقيق في التمييز بينهما، وفي أخذ الموعظة من خلال التّحلي بـ(نَعْتِ المُؤْمِنِينَ)، والتّخلي عن (صِفَاتِ المُتَجَبِّرِينَ)، وصوت (النون) فيه إمكانية اِستيعاب دلالة التقابل، لذلك جاء الإمام به روياً لهذه الثنائية. التي جسّدت لطيفةً من لطائف تمتّع المؤمن بنعماء نُورِ اللهِ، والتزود العرفانيّ، لأنّه مَن عرف نفسه، فقد عرف ربّه.
من هنا جاءت الثنائية الثالثة الفائية، تنبئ بالذي دلّت عليه الثنائية السابقة، إذْ قال الإمام: (فَهُوَ مِنْهُ فِي لَطَائِفَ، وَمِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَارُفٍ)، وبتعبيره في فقرتي الفاصلتين، يكنّي، ويشير إلى بلوغ المؤمن درجة الأولياء، بقرينة (لَطَائِف = تَعَارُف) التي لا يصل إلى كنهِ معرفتها، واستخراجها إلّا (الأولياء)، لقوله هو نفسه عليه السلام في علم القرآن المجيد العظيم:
كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى العِبَارَةِ، وَالإِشَارَةِ، وَاللَّطَائِفِ،