نثر الامام الحسین علیه السلام - الجديع، حيدر محمود - الصفحة ٢١٨ - التحليل التأويليّ الجماليّ لبِنية الإيجاز في كتابهِ عليه السلام إلى أشراف البصرة
وأهمية هذا التقابل إلفات ذهن المتلقي القارئ إلى هذينِ الخطّينِ، كلّ بموقعه في جملته، وما يشكّلانه من إيقاع ٍمتوازنٍ فيشدّه إليهما. كما أنّ هناك تقابلاً تركيبياً اِنزياحياً وظّفه الإمام بينهما، إذ قدّم الفعل (اسْتَأْثَرَ) على جملته، بعد حذفه الفعل ( طغى) الذي أفصحت عنه (الفاء)، فتجاوب مع الدلالة المركزية عنده، أمّا المشتق (المُسْتَحَقِّ) فجاء برتبته بحسب المنطق اللّساني، ليرسّخ في ذهن قارئه، أنّ الحقّ إذا كان في يد أهله المستحقين له، فإنّ النّظام سيستقيم في المجالات كلِّها. لذا نلحظه تدرّج بآلية تشغيل التقابلات بين الجملتين، بدءاً بتقابل المفردات، وختاماً بتقابل تراتبهما. فضلاً عن ذلك أنّ انزياحات التقديم والتأخير الحاصلة آنفاً، تعضد رؤيته، وتقوّيها في صيرورة صورة أهل الحقّ مستقرة في وجدان القارئ، وضميره ليتهيّأ قلبياً، وذهنياً لنصرته فيما بعد.
ثمّ نجده قد ذيّل جملة التأكيد الكبرى: ( وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّاْ أَحَقُّ بِذَلِكَ الحَقِّ المُسْتَحَقِّ، مِمَّنَ تَوَلَّاْهُ )، بجملة المفضول المقصود بتلك المقارنات كلّها، لأنّه القطب والمسبب إلى ما آلت إليه الأمور، وهي: (مِمَّنَ تَوَلَّاْهُ ..؟!)، لتكون النتيجة التي قدّمها الإمام لقارئه، مفادها أًنّ اختيار الله لهم لإمامة مقام النّبي، هو الأَحقّ بتولّيه بدليل دخول (مِنْ) الجارة على (مَنْ تَوَلَّاْهُ) التي لا تدخل إلا بين الفاضل: (أَحَقُّ) الذي وقع خبراً ([٢٩٨])، والمفضول الذي أُشير إليه
[٢٩٨] - ينظر: المعجم الوافي في النحو العربيّ: ١١٩ وما بعدها.