حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧ - بحث في الآية المباركة
لآخر، و لذلك نقول بأنّ الأصل الأوّلي هو عدم حكومة فرد لفرد آخر أو عدّة أفراد. و على ضوء ما تقدّم فإن كان هنالك بعض الأفراد الذين يتمتّعون ببعض السمات و الامتيازات فهم يتمتّعون ببُعد الآمرية قطعاً. كالأفراد الذين يضاعفون من قواهم العقلية إثر كثرة الدراسات و التحقيقات العلمية و التجارب في الحياة، فتكون لهم قدرة تميِّزهم عن الآخرين في تشخيص الأمور و تحديد العناصر الأساسية التي تلعب دوراً في تحقيق سعادة الإنسان و فلاحه، فمثل هؤلاء الأفراد و بفضل كونهم أكثر دراية و بصيرة و أعظم قوّة و اقتداراً و ملكة عقلية في إدراك الأمور بما لا يسع الآخرين دركه أن يكون لهم حقّ الإمرة و الحكومة على الأفراد الذين يفتقرون لتلك المواصفات. و لذلك نرى الفطرة تقود إلى هذا النهج و الأُسلوب، فالطفل الذي يقصّر عن تشخيص الأشياء أو يفتقر لهذا التشخيص يطيع والديه و يمتثل ما تقتضيه مشيئتهما، و هذا ما عليه الحال بالنسبة للجاهل تجاه العالم، و الفرد الخام إزاء الناضج، و القلق الخاوي حيال المستقرّ المحكم، فهو يطيعه و يقتفي أثره في طريقة حياته. إذن فالأصل الأوّلي يفيد عدم تميّز الأفراد على بعضهم البعض، و الحرّية في العمل، و عدم حكومة فرد لآخر، إلّا أنّ هذا الأصل قد يخرق في بعض الحالات و لا يمكن تطبيقه، فإذا كان هناك شخص أو أشخاص يتمتّعون بقدرات فكريّة و عقليّة تفوق الآخرين، فإنّ الفطرة تقتضي في هذه الحالة بضرورة تبعيّة الجاهل للعالم و الناقص للكامل و الضعيف للقوي. أمّا الأمر المهمّ الذي لا ينبغي أن يغيب عنّا هنا هو أنّ طاعة الجاهل للعالم لا تقتصر على علمه فقط، و انقياد الفرد البسيط للناضج الحكيم إنّما يختص بما له فيه الحكمة و هكذا دواليك. و لكن إذا فرضنا فرداً كان نموذجاً للآخرين في تجاربه، و يفوق جميع الناس