حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٩ - طريق مغلق؟!
أحدهم: أمّا أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، و ملئت غرائره فهم ألْبٌ واحد عليك، و أمّا سائر الناس فإنّ قلوبهم تهوي إليك و سيوفهم غداً مشهورة عليك، و سألهم عن رسوله قيس بن مُسهر، فأخبروه بقتله و ما كان منه، فترقرقت عيناه بالدموع و لم يملك دمعته، ثمّ قرأ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [١]، اللّهمّ اجعل لنا و لهم الجنّة، و اجمع بيننا و بينهم في مستقرّ رحمتك و غائب مذخور ثوابك» [٢]. فالذي نخلص إليه من هذا الحوار و استشهاد الإمام عليه السلام بالآية، هو أنّ الإمام أشار إلى هدفه في إحقاق الحقّ و إجابة دعوة أهل الكوفة، فقد كان أوّل سؤال سأله أولئك الأفراد هو خبر أهل الكوفة و حالتهم الروحية، هل هم متأهّبون لدخولنا؟ إلّا أنّ إجابتهم كانت مثبّطة، فقد وقفت الآلاف التي بعثت لك برسائلها إلى جانب العدوّ، فالأشراف قد أعظمت رشوتهم، أمّا الضُّعفاء فهُم متعطّشون لبسط العدل و القسط، و لكن ليس لديهم القدرة على اتّخاذ القرار في المجتمعات الفاسدة، فالضعف الماليّ و الحرمان و ضعف الإرادة تجعلهم خاضعين لإرادة الدولة، فهم مع الإمام قلباً و ضدّه سيفاً، فإذا قلنا: ما زال الإمام حتّى في ظلّ هذه الظروف يأمل بتحقيق النصر، لا نرى أيّ منطق و عقل يوافقنا على ذلك، مع ذلك لم تتزلزل إرادة الإمام عليه السلام و لم ينثنِ عن عزمه و مواصلة مسيرته. و من هنا يعلم بأنّ هناك هدفاً أسمى يسعى الإمام إلى تحقيقه، فالإمام عليه السلام لم يقترح على الحرّ الرياحي الرجوع و الانصراف، في حين لم يكن الحرّ يعلم بهدف الإمام، و أولئك القادمون من الكوفة كانوا يظنّون أيضاً بأنّ الحسين عليه السلام إنّما يروم السيطرة على الكوفة، و لذلك أشاروا عليه بالانصراف، بينما كان الإمام عالماً بما
[١] سورة الأحزاب: الآية ٢٣.
[٢] الكامل لابن الأثير ٤: ٤٩- ٥٠.