حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٧ - طريق مغلق؟!
٢- نقل ابن الأثير في الكامل حادثتين، و سنورد عباراته ثمّ نناقشها، فقد قال: «فلمّا أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة- في منزل زُبالة- و مسلم بن عقيل- في منزل الثعلبية- أعلم الناس ذلك و قال: قد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام، فتفرّقوا يميناً و شمالًا حتّى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكّة، و إنّما فعل ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب ظنّوا أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله فأراد أن يعلموا علامَ يقدمون. ثمّ سار حتّى نزل بطن العقبة، فلقيه رجل من العرب فقال له: أنشدك اللَّه لما انصرفت، فو الله ما تقدم إلّا على الأسنّة و حدّ السيوف، فإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القِتال وطّئوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر، فلا أرى أن تفعل، فقال: إنّه لا يخفى عليّ ما ذكرت، و لكنّ اللَّه- عزّ و جل- لا يغلب على أمره، ثمّ ارتحل منها» [١]. فالذي نخلص إليه هو أنّ الإمام عليه السلام لم يشعر بأيّ تردّد حين أخبر بقتل رسوله مسلم بن عقيل و لم تضعف إرادته، ثمّ يواصل مسيرته رغم تصريحه بعدم وجود جيش لنصرته في الكوفة و أنّ أشياعه لم يفوا بعهودهم، فهل يفهم من كلامه عليه السلام:
«خذلنا شيعتنا» أنّ البعض قد تخلّى عن نصرتنا؟ أم قصده زال مركز ثقلنا و لم نعد نمتلك القوّة الشعبية الموالية هناك؟ و ما إن سمع البعض مقالة الإمام حتّى تفرّقوا يميناً و شمالًا، فهل بقي من أمل بالنصر فلم تقطع الصلة لحدّ الآن بين القيادة و الجيش؟
أ فلا يعني رفع البيعة و التخيير بالبقاء و الانسحاب أنّ باب النصر قد أُغلق؟ فلِمَ واصل الإمام حركته و لم يتردّد حتّى بلغ كربلاء! لِمَ رجع مَن التحق به في الطريق ممّن يبحثون عن الطعام الدسم، بينما واكبه من انطلق معه من مكّة ممّن سمع خطبته
[١] الكامل لابن الأثير ٤: ٤٣.