حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٨ - الدليل الدامغ
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ أنّ الذي يكون على رأس سلسلة آل إبراهيم في آخر الزمان من التأريخ البشري هو الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و من بعده الأئمّة الأطهار عليهم السلام، فالآية كاشفة عن الصفوة المختارة «المصطَفين» و لا بدّ من القول على ضوء هذا المصداق: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا أنّها لا تعني سوى أئمّة الدين، و أنّ هذه الآية هي المفسّرة و الحاكمة علمياً على الآية التي نحن بصددها، أي أنّها تفصح عن أنّ مصداق الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا هم الأئمّة الأطهار عليهم السلام. و هنا لا بدّ من التأكيد على أنّها خاصّة في الأئمّة عليهم السلام فقط؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و إن كان من ذرّية آل إبراهيم، إلّا أنّ الآية ٣٠ قد حدّدت وضعه، و الآية اللاحقة تعيّن الصفوة المختارة بعد النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله. سؤال: إذا كان الأئمّة الأطهار عليهم السلام هم الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فما مناسبة اختتام الآية بقوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أي أنّ بعض هؤلاء المصطفين ظلمة، فهل يظلم الأئمّة أنفسهم؟ جواب: الضمير في «منهم» يعود إلى العباد لا إلى المصطفين، و يؤيّده كلام المحقّق الطوسي في تفسيره للآية في إطار إثباته لرجوع الضمير «منهم» إلى العباد، حيث قال: «لأنّ من اصطفاه اللَّه لا يكون ظالماً لنفسه» [١]، إذن فهل من الممكن فرض كون المصطفين ظالمين لأنفسهم؟ [٢].
[١] تفسير التبيان ٨: ٣٩٤.
[٢] قد تبدو كلمة «عبادنا» واسعة تشمل كافّة عباد الحق تعالى، إلّا أنّ إضافة العباد إلى ضمير الجمع «نا» تفيد خصوصية معيّنة: «عبادنا»، فلا يستبعد القول بأنّها طائفة واسعة من أهل الرسالة و التي تستوعب «أهل البيت»، و من ينكر ذلك فلا يسعه أن ينكر روايتين بل عدّة روايات بهذا الشأن. فمعنى الآية بتفسير الأئمّة الأطهار عليهم السلام: أورثنا الكتاب صفوة من عبادنا من أهل البيت، إلّا أنّ أهل البيت على ثلاث طوائف: طائفة تظلم نفسها و هي التي تتجاهل نسبها و تقلّد نخبتها من هذه الطائفة، فهذه لا تكون من الأئمّة الأطهار، و طائفة معتدلة، و ثالثة سابقة بالخيرات هادية في حركتها و هي تلك النخبة. هذا هو المراد من الآية بالاستناد إلى الأحاديث المُعتبرة، و لكن نظرة اخرى إلى القرآن تفيد أنّ الآية الكريمة دراسة لجماعة واسعة باسم «عبادنا» و هم أهل البيت، و أنّ الكتاب ورّث فيهم، و هم على طائفتين: ١- النخبة ٢- سائر الطائفة، فالنخبة هُم الأئمّة الأطهار عليهم السلام، و جميع بني هاشم هم سائر الطائفة، فهم قد يظلمون أنفسهم و لكن ليس على الدوام و الشاهد هو الآية اللاحقة جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ. و على فرض أنّ هذا الكلام خلاف ظاهر الآية و أنّ كلمة «عبادنا» تشمل جميع المسلمين، لكن مع هذا الفرض و هو أنّ «المصطفين من عبادنا» ليس سوى أهل بيت الرسالة الأئمّة الأطهار عليهم السلام، و قد لاحظتم شرح ذلك، حيث كان الاستدلال مبتنياً على كلمة «المصطَفين من العباد» لا كلمة عبادنا.