حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٦٢ - هدف الآيات النافية لعلم الغيب
علم النبي صلى الله عليه و آله بالغيب لإبعاد التصوّر الذي قد يسود الأذهان بأنّه فوق البشر، و لا يغفلوا عن كونه عبداً من عبيد اللَّه ليبلغ الوحي و الرسالة. و من هنا لا بدّ من القول بأنّ الآيات النافية لعلم الغيب إنّما تجرّده من العلم الذاتي للغيب، فهو ليس بذاته محيط بالأسرار و الخفايا، ليتصوّر بأنّه إله في الأرض، و أنّ اللَّه سبحانه بعنايته و لطفه و فيضه إنّما يرفع عنه حجب الغيب و يطلعه على المكنونات، فالنبيّ صلى الله عليه و آله كالمرآة التي تعكس نور اللَّه سبحانه. و لذلك تطالعنا أيضاً- و في إطار الهدف المذكور- بعض الآيات التي تسلبه القدرة الذاتيّة على هداية الامّة، بل أبعد من ذلك أنّ بعض الآيات سلبته بعض الأفعال الاختيارية وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [١]، كما سلبته الهداية إلى الصراط المُستقيم تحقيقاً لذلك الهدف إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [٢]. نعم، لقد تنوّعت الأساليب و الخطابات القرآنية التي تروم تفادي الانحراف الفكري و الغلوّ في شخص النبي صلى الله عليه و آله بفعل الكمالات العالية التي اشتملت عليها شخصيته، و أحياناً ترد بعض الآيات القرآنية على لسانه قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ [٣]، و كلّ ذلك بالطبع يهدف إلى عدم ضلالة القوم و تورّطهم كتورّط النصرانية في نسبتها المسيح للربوبية، و إلّا فمحمد صلى الله عليه و آله لم يسلك وادياً و لم يهد إلى سبيل إلّا من خلال الغيب، أو هناك تفسير سوى الغيب لهذه الفصاحة القرآنية و المعارف العلمية و الحقائق الاجتماعيّة و السياسية و المدنية و البلاغية التي أتى بها بشر امّي؟
[١] سورة الأنفال: الآية ١٧.
[٢] سورة القصص: الآية ٥٦.
[٣] سورة الكهف: الآية ١١٠.