حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٤ - الآية الأُولى
الآية الأُولى:
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [١]. واضح أنّ ما أرى اللَّه نبيّه و أراده هو أن تكون حكومته و دعائمها قائمة على أساس ذلك العلم بالمغيّبات، و قد ذكر كِبار المفسّرين من قبيل الشيخ الطوسي- المحقّق المعروف- في سبب نزول الآية أنّ الإخوة الثلاثة من بني زريق و هم بشر و بشير و مبشّر سرقوا سيفاً و درعاً و طعاماً من عمّ قتادة بن النعمان، فأتى قتادة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بطلب من عمّه لاسترداد تلك المسروقات، و قد كان قتادة وجيهاً محترماً لدى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؛ لأنّه شهد بدراً. فبعث السرّاق بأسير بن عروة- و كان منطيقاً يشفع لهم عند النبي صلى الله عليه و آله، فسمع ابن عروة مقالة قتادة، فقال مُدافعاً:
يا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إنّ هؤلاء الإخوة من أشرافنا، فلا أرى أن تأذن بأن يساء إلى المسلمين عندك، فحمل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على قتادة و عنّفه على اتّهاماته. و كان لا بدّ للنبي صلى الله عليه و آله من العمل بالظاهر من تعنيفه، لرميه بعض المسلمين بالسرقة دون الإتيان بدليل أو حجّة ... فترك قتادة المجلس حزيناً و رجع إلى عمّه مغموماً فقال:
ليتني متّ و لم أقل للنبي صلى الله عليه و آله ما قلت [٢]. فنزلت الآية لتطّلع النبيّ صلى الله عليه و آله على الحقيقة و تحكم بخيانة الإخوة الثلاث و تطلب من النبيّ صلى الله عليه و آله أن يستند في حكمه إلى العلم الواقعي، أي العلم بالمغيّبات، رغم كون ظاهر الأمر يقتضي بما قام به النبيّ صلى الله عليه و آله و يعنّف قتادة، إلّا أنّ اللَّه أشار عليه بالحكم استناداً إلى الغيب و ما أراه سبحانه و ألّا يدافع عن الخائن، فالذي يفيده سبب النزول أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و بغضّ النظر عن الوحي لا يحيط ببعض الأُمور الجزئية،
[١] سورة النساء: الآية ١٠٥.
[٢] تفسير القمّي ١: ١٥٠- ١٥١، التبيان في تفسير القرآن ٣: ٣١٦- ٣١٧، مجمع البيان ٣: ١٧٤- ١٧٥.