حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٨ - القرآن و علم الأنبياء عليهم السلام
فلم يجد نوح بدّاً من الانصراف عن طلبه و الاستعاذة باللَّه من تكرار مثل هذه الطلبات، قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [١]. إذن، فليس هنالك من غبار يشوب هذه الحقيقة في أنّ سبيل الأنبياء إلى العلم هو الوحي، و ليس لهم من سبيل إلى الإحاطة بجميع الحقائق دون ذلك الوحي، و لا يلزم على النبي كونه نبيّاً أن يلمّ تلقائياً بكافّة الامور الغيبية و يحيط خبراً بجميع الحوادث. و هذا هو الأمر الذي كشف القرآن عنه النقاب حين خاطب النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله قائلًا: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [٢]. إذن، فليس صحيحاً القول بأنّ النبيّ لكونه يشغل هذا المنصب الإلهي الرفيع يكون عالماً بالغيب بالذات، و أنّ مقام النبوّة سيزيل عنه كلّ حجب المجهول، و بعبارة اخرى: النبوّة ليست وسيلة لعلم الغيب، بل النبيّ لا يستغني في كلّ آن عن الإفاضة الإلهية في إدراك المجاهيل، و هذا من الامور التي لا نقاش فيها، إلّا أنّنا حين نتتبّع القرآن و الآيات الواردة بشأن النبوّة نفهم أنّ البارئ سبحانه قد أفاض عناياته الخاصّة على صاحب هذا المقام، بما يجعله يقف على جميع الامور المجهولة و ماضي و مستقبل البشرية و الحوادث التي تواجهها في مسيرتها، حيث اختصّ سبحانه بعض عباده بهذه الإحاطة، الأمر الذي يجعل صاحب مقام الزعامة الدينية عالماً بالغيب. و إليك طائفة من الآيات الواردة في علم الغيب، و هنا يمكننا أن نقسّم الآيات الكريمة إلى ثلاث طوائف: ١- الآيات التي حصرت علم الغيب باللَّه.
[١] سورة هود: الآية ٤٧.
[٢] سورة هود: الآية ٤٩.