حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٢ - رفع إشكال
آل عمران: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ [١] و الدليل هو وحدة السياق في الآية الشريفة، و إذا جاء معها الحرف «من» فهي تعني الانتخاب من بين جماعة، و هذا ما نلمسه في سورة فاطر: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [٢]. أمّا إذا استعملت مع «على» فإنّها تفيد ترجيح المنتخب. فهي و إن اشتركت مع المعنى المُراد في القسم الثاني؛ أي الانتخاب الخالص، إلّا أنّها تفرق عنه بأنّها تتضمن ترجيح المنتخب، و هذا ما ورد في قصّة طالوت التي أشرنا إليها آنفاً إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ [٣]. و لذلك وردت استفهامية في سورة الصافّات أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ [٤] أي ليس هنالك من ترجيح و انتخاب في هذا الأمر.
رفع إشكال:
لقد تضمّن معنى «الاصطفاء» رفع إشكال من شأنه تشويش أذهان العوامّ، فقد صرّح القرآن بشأن مريم قائلًا: وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ [٥]. يعتقد البعض أنّ مريم مصطفاة على كافّة نساء العالم، و الحال أنّ الآية لا تفيد أيّ اصطفاء بالنسبة لعامّة نساء العالم و لا امتياز عليهنّ «أنت مصطفاة و ممتازة من بين نساء العالم». فهي ليست منتخبة على جميع النساء و ليس لها من امتياز على الجميع، بل هي مصطفاة من بين نخبة النساء، و نعلم أنّ مريم من المصاديق العُليا للنساء الجليلات: مريم عابدة و مطهّرة، و هذا لا يتنافى و وجود سائر النساء الجليلات الاخريات في هذا الجنس البشري، و الكلام يختصّ بكونها
[١] سورة آل عمران: الآية ٤٢.
[٢] سورة فاطر: الآية ٣٢.
[٣] سورة البقرة: الآية ٢٤٧.
[٤] سورة الصافّات: الآية ١٥٣.
[٥] سورة آل عمران: الآية ٤٢.