الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - الحكمة من وجود المشاكل والبلايا
الدنيا والأنانية المقيتة.
وهذه الحقيقة نستوحيها من الآية الشريفة ١٥٥ من سورة البقرة حيث تقول:
«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ».
أجل، فإنّ إحدى فوائد وأسباب البلايا والمصاعب التي يواجهها الإنسان في حياته هي غربلة الأفراد وتمحيص الإنسان في مسيرة الحياة من خلال ما يواجهه من تحديات وظروف صعبة.
٧. المشاكل الظاهرية والنعمة الواقعية
وبعض المشكلات ربّما تكون في الظاهر بلاءً ومصيبة، إلّاأنّها في الواقع نعمة ورحمة، ولكن الإنسان وبسبب سوء تفكيره وضيق افقه لا يرى هذه النعمة نعمة بل يراها نقمة، كما هو حال الطفل الذي تفطمه امه عن الرضاع، فاللبن للطفل الرضيع يمثّل كل شيء له فهو الغذاء والدواء والماء، وكذلك يستقي بواسطته العواطف والمشاعر اللطيفة من امّه، الخلاصة أنّ اللبن يمثّل الغذاء المادي والمعنوي للطفل، ولكنّ هذه الام تمنعه من هذا اللبن بعد مدّة ويساعدها في ذلك أبوه وأحياناً تضع الام مادة مرّة على حلمة ثديها حتى يمتنع الطفل من الرضاع ويترك لبنها، فهذا الطفل الرضيع لو كان قادراً على التكلّم والافصاح عن رغبته لقال: أيّتها الام القاسية والعديمة الرحمة! لماذا تحرمينني من اللبن الذي يمثّل جميع حياتي ووجودي؟
ولكنّه لا يعلم أنّ عمل الام والأب في منعه عن اللبن يصب في صالحه، لأنّه لولا هذا المنع لما تجاوز هذا الطفل مرحلة الرضاع ولما تسنى له السير في خط التكامل، وعليه فإنّ هذا العمل يمثّل نعمة للطفل وإن كانت في ظاهرها تعتبر مشكلة كبيرة له.
ويحدثنا القرآن الكريم في الآية ٢١٦ من سورة البقرة عن هذه الحقيقة ويقول: