الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - شرح وتفسير المقسم له
وأمّا مَن هم أصحاب الأخدود فقد اتفق المفسّرون على حكايتهم وهي كالتالي:
كان «ذو نواس» قد تهوّد، واجتمعت معه حِميَر على اليهودية، وسمّى نفسه (يوسف)، وأقام على ذلك حيناً من الدهر، ثمّ اخبر أنّ «بنجران» (شمال اليمن) بقايا قوم على دين النصرانية، وكانوا على دين عيسى عليه السلام وحكم الإنجيل، فحمله أهل دينه على أن يسير إليهم ويحملهم على اعتناق اليهودية، ويدخلهم فيها، فسار حتى قدم نجران، فجمع مَن كان بها على دين النصرانية، ثمّ عرض عليهم دين اليهودية والدخول فيها، فأبوا عليه، فجادلهم وحرص الحرص كلّه، فأبوا عليه وامتنعوا من اعتناق اليهودية والدخول فيها، واختاروا القتل، فاتخذ لهم اخدوداً وجمع فيه الحطب، وأشعل فيه النّار، فمنهم مَن احرق بالنّار، ومنهم مَن قُتل بالسيف، ومُثّل بهم كلّ مثلة، فبلغ عدد مَن قُتل واحرق بالنّار عشرين ألفاً. [١] وأضاف بعض آخر: إنّ رجلًا من بني نصارى نجران تمكّن من الهرب، فالتحق بالروم وشكا ما فعل (ذو نواس) إلى قيصر.
فقال قيصر: إن أرضكم بعيدة، ولكنّي سأكتب كتاباً إلى ملك الحبشة النصراني وأطلب منه مساعدتكم.
ثمّ كتب رسالته إلى ملك الحبشة، وطلب منه الإنتقام لدماء المسيحيين التي اريقت في نجران، فلمّا قرأ الرسالة تأثّر جدّاً، وعقد العزم على الإنتقام لدماء شهداء نجران.
فأرسل كتائبه إلى اليمن والتقت بجيش (ذو نواس)، فهزمته بعد معركة طاحنة، وأصبحت اليمن ولاية من ولايات الحبشة [٢].
ويتبيّن من ذلك أنّ اليهود الصهاينة كانوا منذ قديم الأيّام يتولون تعذيب الأبرياء، والنتيجة المستوحاة من هذا الموضوع أنّ مسألة التعذيب في نظر الإسلام إلى درجة من القبح بحيث إنّ اللَّه تعالى أقسم أربع مرات للتأكيد على هلاك المعَذِبين للأبرياء.
[١]. تفسير علي بن إبراهيم القمي، ج ٢، ص ٤١٤.
[٢]. قصص القرآن، للبلاغي، ص ٢٨٨.