الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - معطيات الأقسام الخمسة
«وَ اللَّهِ لَابْنُ أَبي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطَّفْلِ بِثَدْيِ أُمه».
ما ألطف هذا التشبيه، وما أبلغ هذا البيان، لأنّ جميع كيان الطفل ووجوده مرتبط بلبن امّه، حتى الحبّ والمودة وسائر العواطف الإنسانية تنتقل إلى الطفل من خلال لبن الامّ، ومن هنا فالأطفال المحرومون من لبن الامّ يواجهون نقصاً في عواطفهم الإنسانية، وعندما تضع الامّ ثديها في فم الطفل فكأنّها أعطته جميع الدنيا، وعندما ينفصل منها فيبكي بجميع وجوده وكأنّما فقد جميع ما في الدنيا.
وبهذا الحال فإنّ الموت بالنسبة لعلي بن أبي طالب عليه السلام لذيذ إلى درجة أنّه أحبّ من ثدي الأُم بالنسبة للطفل الرضيع!
هذا النوع من الرؤية للموت يعود لخلفيات الأعمال الصالحة ورؤيته لمستقبل مشرق بعد الموت.
في معركة أحد، وهي المعركة الوحيدة التي خسر فيها المسلمون، تحوّل النصر الأولي في هذه المعركة، وبسبب تقصير بعض المجاهدين الإنسان وتخلفهم عن أوامر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، إلى هزيمة مرّة، وكانت حصيلة هذه الهزيمة استشهاد سبعين رجلًا، من جنود الإسلام، ومنهم حمزة سيد الشهداء عليه السلام الذي قتل أشنع قتلة ومثّل به وشق بطنه وأخرج كبده، بل إنّهم قصدوا أكل كبده «ولم يوفقوا لذلك بلطف اللَّه ورعايته» وقطعوا اذنه وأنفه، والآن عندما يزور المسافر المدينة المنورة ويتوجه لزيارة مرقد حمزة سيد الشهداء عليه السلام ويتصور تلك الواقعة على رغم مرور مئات سنين على تلك الواقعة، فإنّه يحسّ بامتعاض نفسه وقلبه ويتألم لتلك المعاملة القاسية التي تعاملوا بها مع هذا الشهيد العظيم.
وبعد انتهاء الحرب وعودة الكفّار والمشركين إلى مكّة، فإنّ الإمام عليّاً عليه السلام هو الشخص الوحيد الذي بقي يدافع عن النبي صلى الله عليه و آله إلى آخر لحظة، ولكنه أصيب بحالة من الغم والحزن بعد انتهاء المعركة، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: يا علي لماذا أراك حزيناً؟