الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٥ - التفسير الثالث
بما جرى لهذا البيت طيلة سنوات مديدة بعد بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكم من العظماء والشخصيات الكبيرة والأولياء الذين طافوا بهذا البيت وعبدوا اللَّه عنده، فإنّه سيعيش حالة السعادة والسرور لهذا التوفيق الإلهي الذي أنعم اللَّه به عليه في هذه العبادة.
وبالرغم من أنّ النبي إبراهيم عليه السلام ترك زوجته وابنه بأمر من اللَّه تعالى في هذه الصحراء المحرقة وبلا ماء وكلأ «إِنِّى أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ» [١] ولكن الآن ليس هناك أثر لتلك الصحراء الجافة فقد عمرت وتحوّلت إلى مدينة كبيرة تزدهر بالعمران الظاهري والمعنوي بحيث إنّ أفضل الفاكهة والبضائع في العالم تنهمر عليها من كل حدب وصوب. على أيّة حال فالمقصود بالبيت المعمور طبقاً لهذا التفسير هو الكعبة.
أمّا كلمة «مسجور» في الآية «البحر المسجور» فمن مادّة «سَجَرَ»، وسَجَر في لغة العرب لها معنيان:
١. النار المشتعلة؛ فعندما يشعلون النار في التنور يقال إنّه تنور مسجور.
٢. المليء، يقولون عن الحوض المليء بالماء إنّه مسجور، وطبقاً لهذا المعنى فإنّ «البحر المسجور» هو البحر الزاخر بالمياه، والعجيب أنّ مياه البحار والمحيطات على رغم المدّة المديدة والحقب الزمنية لم تقل نسبتها أبداً، لأنّ دورة الطبيعة تجعل المياه المتبخرة من هذه البحار والمحيطات بسبب حرارة الشمس تعود إليها مرّة أخرى، أجل فإنّ اللَّه تعالى جعل من هذه البحار والمحيطات مصدر الطاقة والأغذية للبشر، فعلى رغم أنّ البشرية تنتفع من هذه البحار والمحيطات آلاف الأعوام، إلّاأنّ خيراتها وبركاتها لم تقلّ شيئاً.
[١]. سورة إبراهيم، الآية ٣٧.