الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٦ - ٢ التاريخ البشري
الإسلامية، يقول لابنه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام:
«أَىْ بُنَيَّ، إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ؛ حَتَّى عُدْتُ كأَحدِهِمْ. بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ» [١].
ويكفي في أهميّة التاريخ البشري أنّ اللَّه تعالى تحدّث في أكثر سور القرآن عن الأقوام السالفة والشعوب الماضية، فيما يستقي منها الإنسان الدروس الحية والعبر النافعة، وعلى سبيل المثال نشير هنا إلى قصّتين منها:
أ) قصة أبرهة الحبشي
ويحدّثنا القرآن الكريم في سورة الفيل عن قصّة أبرهة ويقول:
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ».
كانت المسيحيّة في الماضي قد انتشرت في اليمن جنوب شبه الجزيرة العربية، وقد كان يحكمها والٍ من قِبل المسيحيين واسمه أبرهة بن الصباح الأشرم جدّ النجاشي المعاصر للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله. وقد بنى أبرهة كنيسة في غاية الروعة والعظمة في اليمن ولعله لم يكن لها نظير في ذلك العصر، وكان أبرهة شديد التعلق بهذه الكنيسة، وفجأة قام البعض بإحراقها ليلًا وتحويلها إلى رماد، فتألم أبرهة كثيراً لهذه الواقعة، وأخذ يبحث عن العناصر التي تقف وراء هذا الحادث.
[١]. نهج البلاغة، الرسالة ٣١.